حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان " أيام الله فى رمضان"، موضحة أن الهدف المراد توصيله: التوعية بأن شهر رمضان شهر الجد والنشاط والعمل وهو شهر الانتصارات كالعاشر من رمضان وبدر وعين جالوت، على أن تكون الخطبة الثانية: ظاهرة عدم مساعدة الزوج لزوجته.
فما من شك أن رمضان ليس زمنًا عابرًا في تقويم الأيام، ولا محطةً موسميةً تُؤدَّى فيها الطقوس ثم تنقضي؛ بل هو مدرسة الانتصار الكبرى، حيث تُختبر الإرادات، وتُصقل النفوس، وتُصاغ العزائم صياغةً ربانية، فيه تتجلى حقيقة الصراع بين الروح والجسد، وبين الحق والباطل، وبين الإنسان ونفسه الأمّارة؛ فإذا انتصر المرء على هواه، هان عليه أن ينتصر على عدوه.
ولم يكن اقتران أعظم الفتوح والانتصارات الإسلامية وأيام الله الكبرى بشهر رمضان مصادفةً تاريخية، بل كان شاهدًا على أن هذا الشهر يُخرِّج رجالًا تحرروا من سلطان الشهوة، فصاروا أقدر على تحطيم سلطان الطغيان.
رمضان شهر الانتصار على النفس:
إن خير انتصار يحققه المسلم في شهر رمضان أن ينتصر على شيطانه ونفسه الأمارة بالسوء؛ فيُرَوِّضها ويُهَذِّبها على قبول الخير وما فيه من النفع في العاجل والآجل، ويقلع عن الشهوات، والعادات السيئة، فيكون ممن فاز وسعد، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ النَّاس إِنَّمَا الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ نَفْسَه» [رواه ابن حبان].
وعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمٌ غُزَاةٌ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدِمْتُمْ خَيْرَ مَقْدَمٍ مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ»، قَالُوا: وَمَا الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ؟ قَالَ: «مُجَاهَدَةُ الْعَبْدِ هَوَاهُ» [رواه البيهقي في "الزهد الكبير"].
إن الناظر في حكمة الصيام وفلسفته يدرك يقينًا أنه ليس "إجازةً" من الحياة، بل هو دورةٌ مكثفة لاستعادة الإحكام على الجوارح، فمن استطاع أن يُحكم لجام شهواته خلف جدران الصوم، هو الأقدر على قيادة دفَّة العمل والإبداع في ميادين الحياة.
رمضان سجل حافل بالانتصارات:
المتأمل في تاريخ أمة الإسلام يدرك أن اقتران أعظمِ صفحاتِ المجد الإسلامي بشهر رمضان لم يكن محضَ مصادفةٍ عابرة، إنَّما كان سرًّا من أسرار هذا الشهر الذي يصوغ الرجال ويشحذ الإرادات، فرمضان ميدان تتجلّى فيه معاني الإيمان حين تتحول العقيدة إلى قوة، والعبادة إلى عزيمة، والصيام إلى صبرٍ يقود إلى الظفر.
يوم بدر خير شاهد على همة المسلمين في رمضان:
إن فرض الصيام كان في السنة الثانية من الهجرة قبل معركة بدر بشهر، ووقعت بدر في شهر رمضان من هذه السنة بعد أن فُرض، وكأن الصيام شُرع مقدمةً بين يدي النصر، ولتكون النفوس قد تربت على الطاعة والصبر، وكان يوم بدر يوما فاصلا بين الحق والباطل ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٦].
لقد كان النصر حليفهم، والتوفيق سبيلهم، والمدد الإلهي معهم، واستمع إلى السياق القرآني وهو يجسد هذا المشهد في صورة حية كأنه واقع مشاهد، فيقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٠ - ١٢].
فإن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والبعد عن التنازع والخلاف، والإلحاح في الدعاء: من أهم عوامل النصر العظيم في يوم بدر، حيث يقول ربنا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]، فما أحوج واقعنا المعاصر إلى مثل هذا.
روي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلَاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ، كَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيٌّ رضي الله عنهما زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فَكَانَتْ عُقْبَةُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَا: نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي وَلَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الْأَجْرِ مِنْكُمَا» [أورده ابن كثير في البداية والنهاية وقال: وقد رَوَاهُ النَّسَائِيُّ].