يأتي شهر رمضان كل عام حاملًا نفحات الرحمة، ومشاعل الهداية، وفرصًا متجددة لإعادة ترتيب الداخل الإنساني قبل الخارج الاجتماعي، محطة مراجعة شاملة يعاد فيها تشكيل الوعي، وتصاغ فيها ملامح الضمير الفردي، ليصبح أكثر صفاءً ويقظة واتزانًا، ومن هذا الإصلاح الداخلي يبدأ تهذيب السلوك الجمعي، فتنتظم العلاقات، وتترسخ القيم، وتعلو في مقدمتها قيمة العدل، وفي الوقت الذي يكثر فيه الحديث في العالم المعاصر عن العدالة المستدامة كركيزةً للتنمية والاستقرار، يقدم رمضان نموذجًا عمليًا وأخلاقيًا متكاملًا لهذه العدالة، حيث يؤسس لها من الداخل بداية من إصلاح القلب، وضبط الرغبات، وتزكية النفس، ثم يمتد أثرها إلى الواقع في صورة سلوك منضبط، وتعامل منصف، ورحمة شاملة.
وتعد العدالة ضميرًا حيًا تربي في الإنسان رقابة ذاتية تستمد حضورها من استحضار نظر الله في السر قبل العلن، فالصائم يمتنع عن الطعام والشراب وهو قادر عليهما، لا رقيب عليه إلا إيمانه، ولا حارس له إلا وعيه الداخلي، وهذه الرقابة الإلهية المستبطنة هي الأساس الحقيقي لأي عدالة مستدامة؛ حيث إن القوانين مهما بلغت دقتها وإحكامها تبقى عاجزة ما لم يسندها وازع أخلاقي راسخ، ومن ثم تتحول تجربة الصوم إلى مدرسة للإنصاف، إنصاف النفس وكبح أهوائها، وإنصاف الآخر بحفظ حقوقه، وإنصاف المجتمع بإعلاء المصلحة العامة فحين يتساوى الناس في لحظة احتياج إنساني واحدة، يتجدد الشعور بالمساواة، وتتعمق قيمة التكافل، وتصبح العدالة ممارسة يومية مستدامة.
إن رمضان يعيد تشكيل الفرد من الداخل، ويعيد هندسة شبكة العلاقات من حوله على أساسٍ قيمي راسخ، حيث تتقدم التقوى ويعلو الضمير، ويتوازن الحق مع الواجب، ومن هذا التهذيب العميق تنبثق عدالةٌ واعية تبدأ من القلب حين يستيقظ الضمير، ثم تترجمها الجوارح سلوكًا منضبطًا، وتشيد بها دعائم استقرار الأمم واستمرارها، فاستدامة المجتمعات تقوم على الخطط والمؤشرات وحدها، كما تحتاج إلى رافد أعمق يتمثل في الاستدامة الأخلاقية التي تسبق كل تنمية مادية وتمنحها معناها، وحين تتجذر القيم في الوجدان، تصبح القوانين حارسةً للعدل.
ويرسخ رمضان حقيقةً أن إصلاح الواقع يبدأ بإصلاح الإنسان، وأن العدالة الحقيقية تغرس في الضمير فحين يتربى الإنسان على الصدق في الخلوة، وعلى الأمانة في غياب الرقيب، يترسخ داخله وعي رقابي لا ينطفئ، فيصبح أكثر التزامًا بالحقوق، وأبعد عن الظلم، وأحرص على الإنصاف، فالصيام يصنع مواطنًا عادلًا من الداخل؛ لا ينتظر عقوبةً ليرتدع، ولا يبحث عن ثغرة ليتحايل، لأنه يوقن أن الله مطلع، وأن الظلم وإن خفي عن أعين الناس لا يخفى عن رب الناس، وبذلك يؤسس رمضان لعدالة قائمة على التقوى، وعدالة التقوى أعمق أثرًا وأدوم بقاء من أي رقابة خارجية، لأنها تنبع من الإيمان، وتتجدد بالمحاسبة الذاتية، وتستمر ما دام القلب حيًا.
ويوقظ رمضان في القلب معنى المشاركة الإنسانية، فينقل الإنسان من دائرة الإحساس الفردي إلى أفق الشعور الجماعي، وينكشف له بعض ما يكابده آخرون طوال العام، فيدرك قسوة الحاجة من خلال تجربة حياتية تمس الوجدان، ويعد هذا الإحساس الصادق هو الخطوة الأولى نحو عدالة اجتماعية حقيقية، لأن العدالة تبدأ بالشعور والوعي قبل أن تتحول إلى تشريع ونظام، غير أن التحدي الأكبر يكمن في استثمار التعاطف، وتحويله إلى منظومة مستدامة، فالصدقات، وموائد الإفطار، والمبادرات التطوعية مشاهد مضيئة تعبر عن روح الخير الكامنة في المجتمع، لكنها ينبغي أن تكون مدخلًا إلى رؤية أوسع تمتد إلى دعم التعليم بوصفه طريق التمكين، وتمكين الأسر المنتجة ليصبح العطاء قدرة، وتوفير فرص العمل التي تحفظ الكرامة، وبناء مؤسسات خيرية تعمل على مدار العام بعقل تخطيطي وروح إنسانية.
وتسعى العدالة المستدامة إلى ما هو أبعد من معالجة مظاهر الاحتياج الظاهرة؛ فهي تتجه إلى جذوره البنيوية، فتعمل على تفكيك أسباب العوز، وتجفيف منابعه، وبناء بدائل تمكن الإنسان من الاعتماد على ذاته بكرامة، وبذلك تنتقل من منطق الإغاثة المؤقتة إلى منطق الإنصاف الدائم، ومن رد الفعل إلى صناعة الفعل، فتؤسس لعدالة تعالج الخلل في توزيـع الفرص ومن ثم معالجة نتائج الحرمان، فترتقي من الإحسان الفردي إلى التكافل المؤسسي، وتغرس في الوعي الجمعي مبدأ الاعتراف المتبادل بالكرامة الإنسانية، حيث ينظر إلى الإنسان كقيمة في ذاته، وفي ظل هذا الوعي يتجدد الإيمان والشعور بأن المجتمع كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، التزامًا واعيًا ومسؤولية مشتركة.
وتبدأ العدالة المستدامة من البيت؛ فهناك تتشكل الملامح الأولى للوعي، وتتكون البذور الأولى للإنصاف أو الظلم، ويمنح رمضان الأسرة فرصة سنوية ثمينة لإعادة ترميم العلاقات، وإحياء دفء الألفة، وتجديد ميثاق المودة بين أفرادها، فموائد الإفطار الجامعة، وصلاة التراويح، وأجواء السكينة التي تظلل البيوت، تعد مساحات تربوية يمكن أن تتحول إلى منصات لحوار صادق، ومراجعة هادئة، ورد مظالم صغيرة قد تتراكم بصمت حتى تصير جراحًا غائرة
ويتجلى العدل الأسري في توزيع المسؤوليات بعدالة، واحترام الحقوق، والإنصات المتبادل، والتقدير العادل لجهود كل فرد، والابتعاد عن العنف اللفظي أو المعنوي الذي يهدم الثقة ويشوه الكرامة، إنه عدل يقوم على الرحمة المقترنة بالحزم، والمساواة المقترنة بالحكمة، فتتوازن الحقوق والواجبات، وتصان الكرامة داخل جدران البيت قبل أن تطالب بها خارجه، فإذا صلح البيت، صلح المجتمع؛ لأن الأسرة هي الخلية الأولى في البناء الاجتماعي، وحين يستثمر وهج رمضان في ترسيخ العدل داخل الأسرة، ينعكس أثره تلقائيًا على المؤسسات التعليمية، حيث يسود الاحترام، وعلى أماكن العمل، حيث تحترم الحقوق وتقدر الجهود، فتتشكل شبكة واسعة من العلاقات المتوازنة التي يقوم عليها مجتمع أكثر استقرارًا وإنصافًا، فالعدالة المستدامة مشروع بيت قبل أن تكون مشروع دولة، وأن إصلاح البنية الكبرى يبدأ بإصلاح الدائرة الصغرى، حيث يبني الإنسان العادل في حضن أسرة عادلة.
ورمضان شهر القرآن، والقرآن كتاب عدل بامتياز؛ يأمر بالقسط، وينهى عن الظلم، ويجعل العدل معيار الإيمان الصادق، ويقرن بين العقيدة والسلوك، فلا ينفصل الإيمان عن العمل الصالح، ولا تنفك العبادة عن المسؤولية، وفي التصور القرآني يعد العدل قيمة شاملة تمتد إلى الحكم والقضاء، والشهادة والقول، والتجارة والمعاملات، وإلى العلاقات الاجتماعية بكل صورها، ويعد استحضار هذا البعد القرآني في رمضان يرسخ فهمنا للعدالة المستدامة؛ فهي تكليف شرعي ومسؤوليةٌ أخلاقية يسأل عنها الإنسان أمام الله قبل أن يُسأل عنها أمام الناس، وفي ظل هذا الوعي القرآني تزهر بذور العدالة المستدامة، ما بين ضمير يقظ يراقب الله، وتكافل منظم يحقق الكرامة، واقتصاد داعم للدولة يحفظ التوازن، وأسرة متوازنة تغرس القيم، ومجتمع يخطط لمستقبله بروح التقوى.
_
أستاذ أصول التربية
كلية التربية بنات بالقاهرة - جامعة الأزهر