خالد دومة يكتب: الحقيقة العارية

الأربعاء، 25 فبراير 2026 11:03 م
خالد دومة يكتب: الحقيقة العارية خالد دومة

مؤلمة حين تقف أمامها وجها لوجه، ينكسر لها القلب، وتكتم في الصدر دمعة كبيرة، تختلج ما بين الموت والحياة، تقف في الحلقوم، تهيم عمياء، تصارع المجهول، إنه الوقوف في السراب، إنها تحاول أن تبقى، لكنها تموت حية، وتحيا ميتة، كنت أقابلها في الخفاء، وفي المساء، حين يحل الظلام على كل شيء، أراها بصوتها القوي، تقف في صمود، أتساءل أين كنتِ؟

لا تجيب.. وبعد صمت ثقيل، تقول في ضيق وأسف: إنها أصبحت لا تحب النور، تخاف من أشعة الشمس، فالناس منها ينفرون، لا يطيقونها بينهم، تقول: كلما دخلت مجلسا، قام الجميع يلتمس الباب للخروج، لا أحد يحفل بها، إنهم يفرون منها كأن بها مساَ. كنت أنا أيضا أُنْكِرُها في ضوء الصباح، وفي الظهيرة، إلى أن ترحل أشعة الشمس وأنفرد، ثم أطلب مجالستها، أن تزورني في الهزيع الأخير من الليل حين ينام الجميع، تطرق الباب في رفق وتدخل دون أن أفتح لها، كنت أراها جميلة، لها أُبَهة في كل شيء، ملامحها الدقيقة، عينيها الواسعتين، أنفها المصقول، مشيتها، وقارها، شعرها الناعم، ملمسُها الطفولي قطعة من الماس، كانت كلما هلت علي، أُغازلها طويلا، أمدح فيها غير مستثني منها ولو لفتة بسيطة، تتعجب لكلماتي، لوصفي لها، تحملق فيَّ، وتتهمني بالكذب، تقول لي: إنك حين تراني في ضوء الشمس تتجاهلني، كأنك لا تعرفني، لم تقابلني من قبل قط، كأننا لم نكن في المساء معا، حتى تباشير الصباح، كيف تنكرني إلى هذا الحد؟ تتعامى عن جمالي، الذي تدعي، كنت تفر مني كأنني جرباء، أو بي مس من جنون، أو بي مرض معدي، كيف تراني بعين غير العين، وقلب غير القلب، إني أتعجب لأمرك، لتعاملك معي، بهذا التناقض، أم تراني أنا الذي شتّ عقلي، إنك لست الوحيد الذي يتعامل معي بهذه الطريقة، إن الكثير من الناس يفعلون، حتى أعتدت الأمر، أعتدت أن ينكرني الناس في الملأ، فإذا خلو بأنفسهم، أستدعوني، وإن كنت أنت أكثر جرأة معي وصراحة، وأيضا أكثرهم غزلا لي، تفاوت عجيب، وأمور منكرة، ولكن طالما أسبب لك ألماَ عظيما، فلماذا تستدعني وتصر على مقابلتي كل مساء، تنغص عليك ليلك، وتكدر نفسك، وربما طردت من عينيك النوم، وتركتك مسهد مؤرق، تعاني الأمرين مني، ومن مواجهة نفسك بي، ألا تفعل كالأخرين، أزورك شذرا، ثم تتجاهلني، وتبرر لنفسك، ثم تغط في نوم عميق، بعد أن تطردني، إنك تطعن نفسك بي، تمضي في التبكيت الذي أعده لك كل مساء، تدخل جحيمه بقلب قوي، مصر على أن تُعذَّب وتُجلد، وتخرج طللا باليا متفحما من أثرها، فتُعيد ترتيب نفسك من جديد، تكسو عظامك لحما ميتا، وتدور دورتك الدموية، تضخ بدلا منه طفحا من الأكاذيب والنفاق، وتُسَيّر يومك، كي يمضي بأي وسيلة كانت، لتعيد الكرة كل يوم وكل مساء، فرفقاَ باللحوم والدماء.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة