حازم حسين

حكمة العشرين وحماقة الذاكرة

الأربعاء، 25 فبراير 2026 02:00 م


احترت فى أصلها، ولم أتوقف عن استخدامها. لى أصدقاء ماركسيون كُثر، والجُملة جميلة وفعّالة فى المُناغشة. نهزر ونحتدّ، ثم أقول: «مَن بلغ العشرين ولم يكن شيوعيا فلا قلب له، ومن تخطّى العشرين وظل شيوعيا فلا عقل له»، ويصمتون، ونضحك دومًا.

صيغتها الإطلاقية تُفقدها العُمق والمنطق، لكنها تزيد وهجها وتمنحها مذاقًا حرّيفًا. قطعة المخلّل أو قَرن الفلفل الحار بجانب الوجبة، فضلا على أنها لا تُضيّع الدلالة تماما.

وأبرز ما تنطوى عليه، بقدر من الاختزال والتبسيط، أننا غالبا ما نخفق فى الجمع بين القلب والعقل، ويندر أن نستخدمهما معًا، وأن نَعقِل بأفئدتنا، ونحفر مجرى تتدفق فيه مشاعرنا عبر الأدمغة.

تُنسَب بالخطأ إلى ونستون تشرشل، وما أكثر ما أُحيل لرئيس الوزراء البريطانى لأسباب عِدّة، أبرزها أنه يحمل نوبل فى الأدب عن مذكراته، فيسهل أن تُدَس عليه كل عبارة بليغة.

وثمّة مصادر تُعيدها إلى أسماء عِدّة: برنارد شو، دزرائيلى، بسمارك، والأرجح أنها تحوير عن موقف ومقاربات فرانسوا جيزو بشأن الجمهورية، وتناقض الليبرالى الذى قدّم المَلكيّة على الديمقراطية واندفاعة الثورة.

وبديهىّ أن قائلها لن يكون يساريا. إذ لا يحطّ الناس من أقدار آلهتهم، وإلا كانوا تحولوا عنها أو اعتقدوا فى غيرها. فالموقف مُصنّع، ومُوَجّه أيضًا، إنما ليس استثناء من طبائع البشر ومواقفهم.

تنطبق علىّ المقولة بحذافيرها. تحوّلت من اليسار لليمين فى مرحلة شبيهة، إلا أننى أحمد للعشرين أنْ منحتنى جوهرة المقولة: جَمع القلب بالعقل فى لحظة واحدة. تخرج من الأول للثانى، فيلتقيان معًا فى مراسم التسليم والتسلّم. ثم تمزج بينهما بمقادير، عن وعىٍ وبحسب الحاجة.

لحظة تلتقى فيها الأضداد، فتكون أكثر ثراءً. ما نراه ثباتا، ينطوى على احتواء لقوى مُتضادة، كما يشرح نيوتن فى قانونه الثالث.

فى ساعة الفتوح العشرينية ستكون يساريا وليبراليا/ قلبًا وعقلاً، وسترى الرمادى غير مشدود للأبيض أو الأسود: إسرائيل محتلة ظالمة، وحماس أعانتها على أن تظلم شعبها، هكذا بأريحية وبساطة.

ربما لهذا يبدو الشباب الصغار أكثر استقامة فى تقدير خسائر غزة، والحُكم على مُغامرة السنوار، من الكبار المأسورين بالعاطفة، وبالأيديولوجيا وانتحاراتها المجانية.

يجب أن ندين المُحتل دائمًا، بلا قيد أو شرط، غير أن ذلك لا يُبرّئ المُختل، ولا يُحول الهزائم إلى انتصارات، ومواكب الجثامين ومستنقعات الدم ريفييرا تتريّض فيها الفصائل، وتناطح بها ريفييرا ترامب.

الأخير يقود ورشة الحل، إنما من منطلق الانحياز لحليفته، أو تغليب مصلحته الخاصة. سبق أن نقل السفارة الأمريكية للقدس فى 2017، وبعد ثمانى سنوات قال مؤخرا: «حُذِّرت من أنها نهاية العالم، وفعلت ولم يحدث شىء».

تجرُّنا الرسالة الفجة لسابقةٍ شبيهة. عندما حُرِق الأقصى عمدًا فى صيف 1969، وكانت جولدا مائير رئيسة حكومة الاحتلال، ووُضِع على لسانها: «لم أَنَم الليل خوفا، وعندما طلع الصبح، علمت أنه بإمكاننا فِعل أى شىء، لأنها أُمّة نائمة».

وما من دليل على قَولِها العبارة بالنص أو المعنى، إذ لم تَرِد فى وثيقة، ولا أثبتتها فى مذكراتها. والأرجح أنها من عمل يدنا، كردِّ فِعلٍ من الضعيف، للاستفزاز والاستنفار، فما تولَّد عنها سوى أثرٍ عكسى، يُثبّت الفكرة ويُوطِّن عليها نفوس السامعين.

ومقابل الانتحال على العجوز، يصح النسب فى مقولة وزير دفاعها ديّان: «العرب لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون...»، ويكتمل المعنى بجُملة الشاعر الإسبانى جورج سانتايانا: «الذين لا يتذكرون الماضى، محكومٌ عليهم بتكراره».. ويبدو أننا فى برزخ بين العبارتين.

اصطنع الحماسيّون حربًا عن غير ضرورة أو استعداد، وتجاهلوا أربع حروب منذ انقلابهم، وتراثًا من المآسى طوال عقود.. كابروا، ثم قبلوا بأسوأ ممّا كانوا يرفضونه، ويُكرّرون المماطلة وتقطيع الوقت مُتوقّعين نتائج مُغايرة، وكذلك الحزب فى لبنان، ورأس الممانعة تحت عمائم الملالى فى إيران.

نفتقد حكمة العشرين، لتلصق القلب مع العقل بغراء الحماسة والخيال وتقديم الحياة على الموت. نَئِنّ تحت وطأة ذاكرةٍ تتكوّم دون تفريغ، وحماقة تصرفنا عنها دون استعادة أو استفادة.

يُقيم الأُصوليّون فى الماضى، فيسحبون بيئاتهم لمعلومٍ يُصرّون على تجاهله. الشرور قائمة، النوايا تتلوّن ولا تتبدّل، والمخاطر أعلى من أىّ وقت. نحتاج ألا نكون شيوعيين، ولا أيديولوجيين أصلا، ألا نكون نائمين أو لا نقرأ ولا نفهم، وألا ندور فى دوّامة التكرار الغبى.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة