الشهيد أحمد حامد خليفة كتب فى وصيته: ما تبكيش على يا أمى أنا عند ربى
كانت أبيس البلدة الطيب ترابها والأخضر زرعها كطيبة أهلها، وكلون قلوبهم الزاهى يحبون ابنهم (أحمد) الذى يشترك جميع أهل القرية بأنصبة مختلفة فى حبه، فكل واحد منهم له موقف مع أحمد.
منهم من ساعده، وآخر اتكأ عليه فى ذهابه إلى صلاة الفجر، وثالث أخذ بيده، وأخرى كانت كأمه يحمل عنها أحمالها ذاهبة وآتية.. وكلهم أرادوا الوفاء لدين حسن معاملته لهم، وكأنه اتفاق جماعى، لكنه فى داخل كل منهم على حدى أن يُسهم بقدر ما فى زواج هذا الشاب الذى وسع القرية بجمال أخلاقه.
لكن شمس القرية مع انتصاف يوم السابع من رمضان أبت إلا أن تبكى، فانزوت عن دنيا القرية وكأنها فى خسوف حزين، وكذا بدا الجفاف على أفرع شجيرات القرية الصغيرة، حتى كادت تفارق هى الأخرى دنيا القرية التى اتشحت بلون داكن لم تعتده من قبل، ولم يلعب الأطفال مع طيور الريف كما كانوا يحلقون خلفها، بل ارتكن كل طفل فى سكون عجيب، والطير -أيضا - عزفت عن التحليق والتصقت بالأرض، كانت الرياح تأتى بالخير على أهل وزورع القرية، لكنها الآن ريح صرصر هزت الجميع حتى من جذوره، وكادت تلك الريح الصفراء الرمادية تزلزل القرية التى كانت الأمنة المطمأنة.
وتناقلت الريح أخبار متواترة عن انفجار ببئر العبد، وهبت الريح فى أخبارها عبر أسماع أهل هذه القرية عن بعض الأسماء اللذين استشهدوا، أحدهم سمع عنها اسم الشاب الطيب، فمزق صراخه شوارع القرية الضيقة وهو ينادى على شقيق روحه وصديقه الصدوق (أحمد) تلك الشوارع التى فاضت بالبشر من كل فج صوب بيت ابنهم (احمد)، واختلط تراب القرية بأهلها حتى صعد كغمامة تمخر عباب سمائها، وخرج الرجل الوالد فى خشوع وسكينة ما بين المستسلم لقضاء الله، وجسده كأعجاز نخل منفعر، لم يحتمل اخبار تكل الريح، وقال للجمع من الناس كنا سنجتمع هنا لزفاف ابنكم (احمد), الليلة سيأتينا هودج يحمله، ومع شروق شمس باكر سنزفه جميعا إلى بيت بناه الله له.
هو الأخ باسم الذى لم يحتمل أن يحكى عن شقيقه، وما بين الحزن المسيطر والإيمان الباطن، بدأ الشاب فى حكيه عن بطل القرية وشهيدها: أحمد من مواليد مواليد سبتمبر 1998 ابن قرية أبيس مدخل الإذاعة، مركز كفرالدوار، محافظة البحيرة، والد الشهيد الحاج حامد محمد عبد النبى خليفة، والدته الحاجة مديحة محمد العوضى متولى، وأخوته: الأخ الأكبر سامح 35 سنة، وأخته سماح 33 سنة، وأنا باسم 31، وعلاء وحسام ومعاذ.
وبفخر أهل الريف عندما يتحدثون عن أنفسهم منتسبين إلى أحد الأشراف، وهكذا كان باسم يذكر نفسه وأهله فى فخر انتسابهم إلى الشهيد، وزاد من الشعر بيتا إذ قال:" وعندنا اخونا محمود كان عمره 33 سنة بعد انم انهى خدمته العسكرية بالامن المركزى بسيناء وكان مع احمد لكن احمد كان فى الجيش وفى سيناء هو كمان, لكن محمود توفى نتيجة حادث على الطريق العام بعد تأدية الخدمة العسكرية بشهر واحد, وكان أنهى الخدمة العسكرية قبل الشهيد بشهور قليلة.
الشهيد احمد كان خاطب وفرحه كان باقى عليه 5 شهور، وكان الوالد مجهز له سكنه معاه فى البيت، وكان بنى له شقة، وبدأ فى تشطيبها وتجهيزها لزفافه على خطيبته بعد أن ينهى جيشه، لكنه قضاء الله وقدره، وكانت البلد كلها تحب أحمد ونفسهم يوفوه حقه عند زواجه لأنه كان يساعد الناس كلها، وعلاقته طيبة جدا مع كل واحد فى البلد صغير أو كبير، وكلهم كانوا يحبونه، وفضلت معاه نعمة حب الناس حتى لما راح الجيش كل زمايله كانوا بيحبوه ويقضلوه على نفسهم، وواحد منهم حكى لى قبل استشهاد أحمد بليلة واحدة كان بيجهز السحور لزمايله وقال لهم: ادعوا لى انى انولها، وكان دايما يحكى عن التكفيريين إنهم مش مصريين، وإن شكلهم من جنسيات غير مصرية، وكان يقول لولده دايما: الرجولة يا با إننا نطهر سينا من الإرهابيين ولو ح نستشهد كلنا.
الشهيد حاصل على دبلوم فنى صناعى من مدرسة كفر الدوار الصناعية الميكانيكية، وكان أتم دراسته بمدرسة أبيس الخامسة الابتدائية، وبعدها الإعدادية من مدرسة أبيس الخامسة الاعدادية التى سميت بعد استشهاده باسمه (مدرسة الشهيد مجند مقاتل البطل أحمد حامد محمد عبد النبى خليفة).
وكان قد التحق بالخدمة العسكرية بتاريخ شهريوليو 2018 وكان المفروض ينهى خدمته بالجيش فى شهر سبتمبر 2022 وكان والده مجهز له شقة زواجه معاه فى البيت.
أحمد كان إنسان بمعنى الكلمة، العيبة ما تخرجش من لسانه، وما كانش بيشرب حتى سيجارة ولا يرضى يزعل والده منه، وكان بارا بوالديه ومحبا لأخوته، وكلنا كنا عارفين إنه أحسن واحد فينا، ربنا سبحان الله اختار لسيناء وللشهادة افضل من فينا.
يوم 30 أبريل 2022 بالتحديد يوم 7 رمضان، أم الشهيد حست بإحساس غريب جدا، وكان قلبها مقبوض، وكانت بتسأل اخوات الشهيد :" هو احمد ما اتصلش يا ولاد؟ , وتعود وتسألنا:" هو أحمد ما قالش جاى إمتى من سيناء؟، وما حدش فينا عارف حاجة، ولا عارفين ليه هى بتسأل على أحمد كتير كدة, لكنكان فى حركة برة البيت , ناس تيجى وتمشى ما ترضاش تستنى، وما عرفناش هما جايين ليه، وكأنهم عرفوا بخبر الاستشهاد، بس ما حدش منهم عايز يقولنا، وكانوا عايزين يعرفوا إحنا كمان عرفنا والا لاء.
ومع سؤال أم الشهيد المتكرر عن ابنها أحمد ومع حالة البلد الغريبة ديه، اتصلنا بتلفون أحمد لكنه ما ردش على أى واحد مننا، ولما زاد القلق عليه، ومع أخبار فى التلفزيون عن انفجارات فى بئر العبد اللى بيخدم فيها أحمد اخونا، اتصلنا على تليفون صاحبه، اللى فى الاول قال: "مافيش حاجة ما تقلقوش"، وبعد كدة من شدة الإلحاح فى السئوال عن أحمد قال: "احمد صاحبى شهيد عند دربه.
ونزل الخبر علينا زى الصاعقة، وماحدش فينا قدر يبلغ والده ووالدته اللى قلبها ملهوف عليه من الصبح، وفى النهاية جمعنا شجاعتنا وقلنا لوالدة احمد ان ابنها عند ربه شهيد باذن الله, والست المؤمنة فضلت تبكى وهى بتقول انا لله وانا اليه راجعون, ووالدى خرج من غرفته، وفضل يقول: وبشر الصابرين, وبشر الصابرين، لا حول ولا قوة إلا بالله، واتملى البيت علينا من ناسنا وأهل القرية وكلهم بيسألوا حنعمل إيه، وما كناش عارفين إيه اللى حا يحصل بعد كدة، لكن جه تليفون من وبلغونا نستلم الجثمان من مستشفى بور سعيد.
وفعلا وصل جثمان أخونا ملفوف فى علم مصر، وكان نفسى أنا وأبويا وأخواتى نشوفه بس اللى كانوا معاه قالوا: "أحمد وشه منور وبيضحك، وجسمه زى الفل زى ما يكون لسه عايش، وقلنا الكلام ده لوالدته علشان تطمن على ابنها، والبلد كلها وكل القرى المجاورة وكل المركز خرج يشيع جنازة الشهيد احمد فى جنازة عسكرية جضرها ناس كتير من الجيش مع اهل الشهيد وجيرانه وكل ناس مركز كفر الدوار.
وقال لى واحد من زمايل الشهيد جه يعزى مع زمايل كتيبته ومن كتايب تانية: "أحمد كان بيجهز السحور أول إمبارح لزمايله، وكان متواضع جدا، ومحب لينا كلنا، وقال فى الليلة ديه قبل ما يصلى الفجر: "أنا نفسى أخد رتبة شهيد, عارفين ليه؟ ورد هو على نفسه, وقال : لانها اعلى رتبة عند الله.
وقال واحد تانى:"أحمد كان متصور مع الشهيد البطل العقيد مصطفى عبيدو مع مجند زميله اسمه أحمد، وبعد ما استشهد البطل العقيد مصطفى عبيدو، حلف واقسم انه مش عايز يرجع إلا لما يجيب حق الشهيد، وبالفعل ما رجعش إلا ملفوف فى علم هو وزميله الشهيد البطل المجند احمد اللى كان معاه فى الصورة ومعاه فى واقعة الاستشهاد.
وحكى واحد من الضباط كان موجود مع ضباط كتير فى جنازة الشهيد:" يوم الاستشهاد كان ٣٠/٤/٢٠٢٠ الموافق ٧ من رمضان فى سيناء بمنطقة بئر العبد
عند اشتراك الشهيد مع قائده وزميل له فى توزيع وجبة الإفطار على الرجالة فى الكماين, وقبل أذان المغرب بساعات قليلة تم تفجير المدرعة بعبوة ناسفة وضعت لهم فى طريق السير للكمائن, واستشهد ومعه ظابط وصف ظابط و٨ جنود اخرين عليهم رحمة الله جميعاً.
كان الشهيد علاقته حسنة بالزملاء والجيران, وكل من تعامل معه, أو تكلم معه, كان يحبه ويحب فيه الابتسامه التى كانت لا تفارق وجهه حتى في كل صوره أجمل ابتسامه وكان أحن أخ بين اخوتى حتى مع الوالدين كان الابر بهما, ,كانت أقصى طموحاته هى الموت والاستشهاد في سبيل الله, وان يأتي بحق كل شهيد من قادته وزملائه الذين استشهدوا قبله, وان ينهى جيشه, ويتم زواجه مثل كل شاب، لو كتب ربنا له الحياة لكن زى ما كان بيقول :" بعد ما نطهر سينا من التكفيريين الانجاس. وكان دايماً يقول نفسى اروح سيناء أرض الأبطال، وخدمته فى بداية جيشه كانت فى القنطرة شرق وانتقل لمدينة بئر العبد مع زمايله لمحاربة الارهابيين وتطهير سيناء منهم, وكان حاسس انه ها يستشهد فى سيناء، وكان بيدعى ربنا إنه ينول الشهادة، وكنا كلنا لما نسمع منه الكلام ده نزعل منه، ووالده يقول له:" يا بنى , لسه فلبى واجعنى على أخوك، ما توجعنيش انت كمان, وكان بقو لوالده:" يا با ده شرف ان ابنك يكون شهيد، على فكرة الشهادة ديه معناه إن ابنك راجل، مش عايز تشوفنى راجل!.
ولما جاب الضابط حاجة الشهيد كان فيها وصيته وكتب فيها: "أنا نفسى استشهد فى سيناء زى الأبطال، وأجيب حق الرجالة، وعايز منك يا أمى ما تزعليش، وما تبكيش، أنا ح اكون فى مكان احسن من الدنيا كلها, كل اللى عايزه منك انت وابويا واخواتى تدعوا لى فى صلاتكم ان ربنا يقبلنى شهيد، وكمان اعملوا تلاجة ميه على روحى لله على ناصية البلد علشان الناس تشرب منها وتدعى لى ولكل الشهداء".

أحمد خليفة شهيد الوطن

أحمد محمد خليفة

الشهيد احمد حامد خليفة

الشهيد أحمد حامد خليفة

الشهيد أحمد خليفة
.jpg)
الشهيد مع الأصدقاء (3)

الشهيد مع الأصدقاء