عصام محمد عبد القادر

رمضان.. تلاوة القرآن

الثلاثاء، 24 فبراير 2026 03:53 ص


كلام الله -تعالى- يزيدنا نورًا، وهداية، ويمنحنا فرصة للتدبر، ويخلق مناخًا للخشوع، ويجعل قلوبنا مهيبة، ويقر أعيُنا بالرضا، ويغلّف أرواحنا بالتقوى، ونصوص التلاوة خير شاهد على مكانة أهل القرآن، فقد خصَّهم المولى- عزوجل- في قوله: ﴿الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [سورة فاطر: 29]، وفي شهر رمضان تتأتى الفرصة العظيمة؛ لننال شرف أهل التلاوة المكرمين، الذين يربحون في الدارين، ونصل سويًا إلى الدرجة الرفيعة، التي ذكرها رب العزة في قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [سورة المزمل: 4]، فنوقن حينها أن التلاوة سبيلٌ إلى الخشوع، وصفاء القلب.
سِرُّ السكينة، والطمأنينة يكمن في تلاوة آيات الذكر الحكيم، فهي تمنح الراحة النفسية، وتملأ الأفئدة بالسعادة، وتنير دروب القلوب، وتوقظ الهمة، والعزيمة نحو المسارعة في الخيرات، فقراءتها نور، وهدى، والتمعّن في سياج معانيه سبب لطمأنينة القلب، وسكينته، كما يقول رب العزة: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [سورة الرعد: 28]، وكل آية نتدبرها، ونرتّلها تملأ وجداننا سكينة، وصفاء، وتريح النفس من ضغوط الحياة، وهمومها، وتذكّرنا أن القرآن ليس مجرد كلام يُتلى، بل هو غذاء للقلب، ودواء للروح، وسبيلنا إلى السّلام الداخلي، الذي يتحقق بالاقتراب من ذكر الله-عزوجل-، وكلماته المُنزلّة.
فضل تلاوة القرآن الكريم في رمضان، يكمن في مضاعفة الأجر، وسمّو الروح، وارتفاع قدر الفهم، وغذاء الوجدان بصيغ الإيمان، وقد أكدت آيات الله-عزوجل- أن القرآن العظيم نزل في هذا الشهر؛ ليكون نورًا، وهداية للناس، ووسيلة للإدراك، والتمييز بين الحق، والباطل، ومِفتاحًا للتقوى، والإيمان: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [سورة البقرة: 185]، وهنا نوقن بحقيقة لا مراء فيها؛ إذ يعالج القرآن الكريم أمراض القلوب، والروح، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [سورة الإسراء: 82].
في نفحات رمضان المباركة، تتعطش أرواحنا المنهكة لفيوضات المغفرة، والقرب من خالقها، فتلوذ في سكون لياليه بتلاوة آيات القرآن الكريم؛ تلاوةً لا تقف عند حدود الحناجر، بل تغوص في أعماق الوجدان بتمعّنٍ، يبعث هدوءاً، ويمدُّنا بحبالٍ متينة من نور إلهي ساطع، ينتشلنا من ضيق الدنيا؛ ليعلو بتفكرنا فوق صغائر الأفعال، ويربو بنفوسنا على هموم حياة فانية، لا تلبث أن تزول؛ ليغرس فينا حكمةً بالغة، وتوازناً يعيد للقلب بوصلته الحقيقية نحو السماء، وتلك هي السكينة المطلقة، والبلسم الشافي، الذي لخصه نداء رب العالمين، حين تنزّل بالرحمة قائلاً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة يونس: 57].
التدبر في آيات القرآن الكريم في هذه الأيام المعدودات، يفتح أمامنا أبواب الحكمة على مصراعيها، ويكشف لبصائرنا أسرار الكون، والحياة؛ فآيات الذكر الحكيم تمنح قلوبنا، وأرواحنا فرصةً جليلة؛ لإدراك الغاية من وجودنا، وتعلّمنا كيف نُعمل الفكر، ونتأمل في عظمة الخالق، وبديع صُنعه، ومن خلال ذلك، نستلهم من كل آيةٍ توجيهاً عملياً، يُقوّم ممارساتنا الحياتية، ويسمو بعلاقاتنا مع الآخرين، وقد حثّنا الحق تبارك، وتعالى على إحياء هذا المعنى العظيم محذّراً، ومرغّباً، فقال جل شأنه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [سورة محمد: 24]، وقال مبيناً الغاية من تنزيله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة ص: 29]؛ فالتدبر إذن ليس مجرد تلاوةٍ، تمر على الشفاه، بل هو معراجٌ نحو النور، والفهم العميق، وسبيلٌ أصيل؛ لإثراء الفكر، وتهذيب الروح، وإصلاح السلوك.
اللهم اجعل قلوبنا مضيئة بالإيمان، وأرواحنا شاخصة؛ لتدبر كتابك، ووفقنا للعمل بحكمتك في كل قول، وفعل، واجعل حياتنا مليئة بالهدى، والسلام، اللهم اغفر لموتانا، وارزقهم الفردوس الأعلى، والنور المقيم، واجمعنا بهم في رحمتك، يا أرحم الراحمين.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة