قضيت نحو ثلثى عمرى حتى الآن بين المنتديات. حلقة نقاشية عن كتاب، أو جلسة نقدية لعرض مسرح. قلت وسمعت، ولم يخلُ الكلام من غرابة دوما؛ إنما ظل الأغرب فى جملة تكاد تتطابق، وإن اختلف الناطقون بها؛ فكأنهم جنس من البشر يقتفى أثر بعضه، كوقوع الحافر على الحافر.
يقف الشخص شامخا، وتتقد عيناه بالإقدام وأمارات النبوغ والامتلاء. يلف ويدور قليلا حول العموميات؛ ثم يُفجر قذيفته بأعصاب باردة: لم أقرأ/ لم أشاهد (حسب طبيعة الحدث)؛ غير أن وجهة نظرى كذا وكذا، وكيت وكيت.
يعرف الوسط الثقافى نماذج مُكرّسة ومُجرِّبة من تلك النوعية. أحدهم ناقد كبير، عُمرا وذيوعا، يُرحب بارتقاء أية منصة وإن استُدعى لها قبل دقائق من انعقادها، ويندر أن تجده متحدثا عن إصدار بعد قراءته بالفعل.
لدى الرجل حيلة ذكية؛ إذ يشترط ألا يكون أول المتحدثين، هكذا فقط ولا شىء آخر. يُقلِّب الصفحات فى عبور خاطف، يتباطأ قليلا عند فهرس العناوين الفرعية، ثم ينطلق كأنه صاحب النص، أو بالقليل وُلِد على يديه كلمة بعد أخرى.
رأيتُ نقادًا كانوا نيامًا طوال المسرحية؛ ثم أفاقوا فأفرطوا فيما لم يروا. واختلطت بآخرين يتحدثون على حديث سابقيهم، كمثل صديقنا سالف الذكر، وزادت الوسائط الرقمية وإبداعات الكتاب الجُدد على النموذجين؛ فأسقطوا شرط الرؤية أصلاً؛ ولو من خلال وسيط.
أنا من قبيلة تختلف بشأن التعليق والنقد بعد القراءة الأولى أو المُشاهدة الواحدة، وبقليل من الثقة فى المُعلّق والناقد يُمكن أن أُجيزها؛ إنما لا وجه لافتراض أن أناسًا من بيننا ينكشف لهم الحجاب؛ فيُعاينوا فى الغيبة، ويصدروا الأحكام قبل الحضور.
ما يزال موسم الدراما الرمضانية طازجًا. الأُسر تستقبل ضيوفها من الأعمال ونجومها، وتتعرّف إليهم؛ ولمَّا تتجاوز العناوين بعد. ومواقع التواصل الاجتماعى تمور بمئات النقاد، بل آلاف، ولهم الحق فى أن يقولوا ما شاءوا؛ غير أن الانطباعات لا يُبنَى عليها تقييم دقيق، ولا يصح الركون لها إن خالطتها شُبهة التوجيه وانعدام البراءة.
إنه أكبر المواسم الفنية فى مصر. الحصيلة الإجمالية نحو اثنين وأربعين عملاً، بين ثلاثين أو خمس عشرة حلقة، وبمتوسط ربما يقترب من ثلاثمائة ساعة درامية. كأنك إزاء مائة أو مائة وخمسين فيلمًا، مع جيش جرار من العاملين، وأرقام مليارية فى الإنتاج والعوائد.
أكثر من النصف بتوقيع الشركة المُتحدة. وللقياس فحسب لا المقارنة إطلاقًا، لك أن تَزِن الرقم السابق مع نحو اثنى عشر عملاً تقريبًا فى دول الخليج الستّة، وأقل من ذلك فى سوريا ولبنان، وأكثر قليلاً فى حزام المغرب العربى. ما يُجيز بقدر من التبسيط؛ القول إن مصر تُنتج وحدها مقدار ما يُنتجه العرب جميعًا فى الموسم.
الفن لعبة. رهان غير مضمون النتائج مُسبقًا، وقد يصيب أو يُفوّت الهدف. والمؤكد أن الموسم لن يكون جيدًا بكامله؛ لكن الأزمة ليست فى الجودة النسبية، ولا فى تفاوت الأذواق الطبيعى؛ بل فى الاستباق والمصادرة والتعجُّل، وفى الحشد الذى تكاد تشعر أنه مُنظّم؛ لا سيّما من جهة تيّار التشدُّد الذى لا يتوقف عن كراهية الحياة وتحقير كل جميل فيها.
يصعب؛ بل يستحيل، الحُكم على أى عمل حتى الآن. يُمكن التحليل دون تشخيص نهائى. اليوم خامس حلقة، ما يعنى ثُلث المسلسلات القصيرة، ونصف النسبة للأطول. الحكايات لم تتضح بعد، والخيوط تُفرَش وتتقاطع، والسيئ ربما يتحسّن أو العكس.
المقدمات تُؤشّر أحيانًا؛ وليس بالضرورة أن تجزم بالمآلات. ويمكن الإشارة إلى طفرة فى الصورة والتقنية، وفى التمثيل لا سيما لدى الشباب، وسخاء الإنتاج، وتنوع الموضوعات وإن تكرّر بعضها. أما نتيجة الامتحان؛ فما غادر المُمتحنون لجانه أصلاً ليُقال بالنجاح أو الرسوب.
عن البشر، لا يمكن الحُكم عليهم دون مخالطة وعشرة، وأدناها المعايشة، وكذلك فى الفن أيضًا، وأقلّه فُرجة واحدة لآخرها. يقول المثل الشعبى «لا تذم ولا تُشكر إلا بعد سنة وست أشهر»، والمطلوب شهر فقط، وأسبوعان لبعض الأعمال، نرى ونُلمّ ونهضم ثم نقضى.
المُتعجّلون من هنا وهناك يضرّون؛ فريق يُصادر استباقيا على المُنتَج، وآخر يُحمّله فوق طاقته. الموسم كبير ومهم فى كل الأحوال، ويجب أن نتعامل معه بإكبار واهتمام أيضا.