ناهد صلاح تكتب: عصام عمر وباسم سمرة.. تنافس يتجاوز النص

الإثنين، 23 فبراير 2026 09:16 م
ناهد صلاح تكتب: عصام عمر وباسم سمرة.. تنافس يتجاوز النص ناهد صلاح

0:00 / 0:00
ناهد صلاح

نادرًا ما يتحول التمثيل في الدراما التلفزيونية إلى بطل موازٍ للحكاية، يتفوق أحيانًا على الكلمة المكتوبة ويمنح المشهد أبعادًا لم يتوقعها النص، في مسلسل "عين سحرية" للمخرج سدير مسعود، نحن لسنا فقط أمام قصة مشوقة، بل أمام مباراة تمثيلية رفيعة المستوى تجمع بين جيلين ومدرستين: هدوء عصام عمر المتربص، وحضور باسم سمرة الطاغي، إنها رحلة في فن الأداء، حيث يصبح الصمت لغة، وتتحول نظرة العين إلى جملة حوارية كاملة، ليرسم الثنائي مشهدية درامية تتجاوز حدود السيناريو.

في المسلسل لا تقوم الحكاية فقط على حبكة مشوقة أو مفاجآت درامية متلاحقة، بل تعتمد بدرجة أساسية على صراع الأداء بين هاتين المدرستين المختلفتين في التمثيل، نراهما تتجسدان في حضور عصام عمر وباسم سمرة. كلاهما لا يلعب الدور فحسب، بل يقدم تصورًا متكاملاً عن الشخصية، بحيث يصبح التمثيل نفسه ساحة الصراع الأولى.


ينتمي عصام عمر إلى جيل من الممثلين الذين يميلون إلى الاقتصاد في التعبير، أداؤه في "عين سحرية" يتكئ على الصمت بقدر ما يعتمد على الحوار. الشخصية التي يجسدها تبدو مأزومة داخليًا، مترددة، تعيش صراعًا أخلاقيًا ونفسيًا عميقًا. اللافت أن عمر لا يقدم هذا الصراع عبر انفعالات مباشرة، بل من خلال تفاصيل دقيقة: نظرة طويلة قبل الرد، تلعثم محسوب، أو وقفة صامتة تحمل من المعنى ما يفوق جملة كاملة، هذه التقنية تمنح الشخصية بعدًا إنسانيًا وتجعل المتلقي شريكًا في قراءة ما لا يُقال.


على مستوى الجسد، يعتمد عصام عمر على انكماش حركي واضح، كتفان مائلان قليلًا، حركة يد مترددة، جلوس غير مستقر. كأن الجسد نفسه يعيش حالة ارتباك دائم، هذا التكوين الجسدي ينسجم مع البناء النفسي للشخصية، فيخلق وحدة عضوية بين الداخل والخارج.


غير أن هذا الخيار التمثيلي، رغم دقته، قد يعرض الأداء أحيانًا لخطر الرتابة، خاصة في المشاهد الطويلة التي تتطلب تصاعدًا دراميًا واضحًا، ومع ذلك، ينجح عصام عمر في كسر هذا الهدوء في لحظات الانفجار، فيكشف طاقة كامنة كانت تتراكم بصمت.
في المقابل، يأتي باسم سمرة بخبرة طويلة وحضور طاغٍ. أداؤه في "عين سحرية" يقوم على الامتلاء، لا الاقتصاد، صوته أداة أساسية: طبقة منخفضة لكنها حادة، نبرة تحمل تهديدًا مبطنًا حتى في الجمل العادية.


باسم سمرة لا يحتاج إلى حركة كبيرة لفرض هيبته، يكفي أن يثبت نظرته لثوانٍ حتى تتغير إيقاعات المشهد، كما أن شخصيته تبدو أكثر وضوحًا من حيث الدوافع، لكنها ليست سطحية، بل تُبنى على طبقات من البراجماتية والبرود الظاهري الذي يخفي هشاشة محتملة.


من الناحية الجسدية، يعتمد باسم سمرة على ثبات محسوب، وقفته مستقيمة، خطواته بطيئة لكنها واثقة، هذا الثبات يمنح الشخصية سلطة ضمنية، ويخلق تباينًا بصريًا مع انكماش عصام عمر، وهنا تتجلى قوة الثنائية: أحدهما يتحرك من الداخل إلى الخارج، والآخر من الخارج إلى الداخل، الأول يبني الشخصية عبر الانفعال المكتوم، والثاني عبر السيطرة الظاهرة.


المشاهد المشتركة بينهما هي ذروة المسلسل دراميًا، في هذه اللحظات، لا يكون الصراع فقط بين شخصيتين، بل بين أسلوبين، نلاحظ كيف يحاول عمر كسر إيقاع سمرة عبر الصمت أو التردد، بينما يفرض سمرة إيقاعه عبر نبرة قاطعة أو نظرة حاسمة، هذا التفاعل يخلق توترًا حقيقيًا يتجاوز النص المكتوب، ويمنح العمل عمقًا إضافيًا.


مع ذلك، يمكن القول إن سمرة أحيانًا يقترب من إعادة إنتاج بعض مفرداته المعروفة في أدوار سابقة، خاصة في لحظات التهديد، لكن خبرته تسمح له بتلوين هذه المفردات بما يتناسب مع السياق، أما عمر، فيبدو أكثر مغامرة، إذ يغامر بالهدوء ويثق في قدرة الكاميرا على التقاط التفاصيل الدقيقة.
أعود وأشير إلى أن "عين سحرية" لا ينجح فقط بسبب قصته، بل بفضل هذا التوازن بين جيلين ورؤيتين للأداء، عصام عمر يقدم نموذجًا لتمثيل حديث يعتمد على الحساسية، بينما يرسخ باسم سمرة مكانته كأحد أبرز ممثلي الواقعية القاسية في الدراما المصرية، وبينهما، تتشكل مساحة درامية خصبة تجعل المشاهد لا يتابع الحكاية فحسب، بل يراقب فن التمثيل وهو يُصنع أمامه.

كل ما يخص مسلسلات رمضان 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة