حذر تقرير نشره موقع Live Science من أن صوت الإنسان قد يتحول إلى أداة خطيرة لانتهاك الخصوصية، مع التطور السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل الكلام واستخلاص معلومات شخصية شديدة الحساسية دون علم أصحابها.
الصوت يحمل معلومات أكثر مما نتصور
يشير التقرير إلى أن الأصوات تتضمن إشارات لا حصر لها عن أصحابها، فإذا عرف المستمع ما الذي يبحث عنه، يمكنه استنتاج مستوى التعليم، والحالة العاطفية، والمهنة، وحتى الوضع المالي. لكن الخطر الأكبر لا يكمن في قدرة البشر على ملاحظة هذه الإشارات، بل في قدرة الحواسيب على تحليلها بكميات ضخمة من البيانات وبسرعة تفوق البشر بمراحل.
وتوضح أبحاث حديثة أن تقنيات تحويل الصوت إلى نص قد تُستخدم في ممارسات ضارة مثل المغالاة في الأسعار، أو التصنيف غير العادل، أو المضايقة، أو الملاحقة. فبينما يلاحظ الإنسان علامات واضحة مثل التعب أو التوتر أو السعادة، تستطيع الخوارزميات التقاط تفاصيل أدق بكثير.
ووفق دراسة نُشرت في 19 نوفمبر 2025 في دورية Proceedings of the IEEE، يمكن لأنماط التنغيم واختيار الكلمات أن تكشف عن التوجهات السياسية الشخصية، ووجود حالات صحية أو طبية، إضافة إلى معلومات أخرى بالغة الحساسية، وتسلط الدراسة الضوء على مخاوف جدية تتعلق بقدرة هذه التقنيات على انتهاك الخصوصية وإحداث تصنيف غير عادل.
من الأهداف الأخلاقية إلى الاستخدامات المثيرة للريبة
ينقل التقرير عن الباحث قوله إن تقنيات الكشف التلقائي عن الغضب والسلوك السام في الألعاب الإلكترونية ومراكز الاتصال تُناقش علنًا، وهي تطبيقات مفيدة وتحظى بأساس أخلاقي واضح. غير أنه حذر من أن التوسع في استخدام واجهات التخاطب الصوتي مع العملاء، بحيث يتكيف أسلوب الرد الآلي ليحاكي أسلوب المتحدث، يكشف أن أهدافًا أكثر إثارة للشك من الناحية الأخلاقية أو حتى خبيثة أصبحت ممكنة التحقيق.
وأوضح الباحث أنه لم يسمع عن حالات ضبط لاستخدام غير مناسب لهذه التقنيات، لكنه لا يعرف ما إذا كان السبب أن أحدًا لم يقدم على ذلك، أم أننا ببساطة لم ننتبه أو نبحث بما يكفي.
أصواتنا بصمة رقمية دائمة
يشدد التقرير على أن أصواتنا مسجلة في أماكن لا تحصى، فكل رسالة صوتية نتركها، وكل مكالمة يُبلغنا فيها بأن الاتصال مسجل لأغراض التدريب وضمان الجودة، تضيف تسجيلًا جديدًا إلى أرشيف رقمي ضخم، ويوازي حجم هذا الأرشيف حجم بصمتنا الرقمية التي تشمل منشوراتنا ومشترياتنا وأنشطتنا عبر الإنترنت.
ويطرح التقرير سؤالًا مباشرًا: إذا أدركت شركة تأمين كبرى أنها تستطيع زيادة أرباحها عبر تسعير التغطية بشكل انتقائي اعتمادًا على معلومات تستخلصها من أصوات العملاء باستخدام الذكاء الاصطناعي، فما الذي سيمنعها من ذلك؟
ويرى الباحث أن مجرد طرح هذه القضية قد يفتح الباب أمام تنبيه الجمهور والجهات المعادية إلى إمكانات التقنية، لكنه يؤكد أن كثيرًا من أدوات تعلم الآلة القادرة على إجراء تحليلات تنتهك الخصوصية متاحة بالفعل، وأن إساءة استخدامها ليست احتمالًا بعيدًا، ويضيف أنه إذا كان هناك من أدرك هذه الإمكانات مبكرًا، فقد يملك أفضلية كبيرة.
ويؤكد أن وعي الجمهور بالمخاطر ضرورة ملحة، محذرًا من أن تجاهلها يمنح الشركات الكبرى والدول التي تمارس المراقبة تفوقًا واضحًا. ورغم اعترافه بأن الصورة تبدو قاتمة، فإنه يتمسك بالأمل في إمكانية اتخاذ خطوات عملية لمواجهة التحدي.
كيف يمكن حماية الصوت من الاستغلال
يعرض التقرير عددًا من المقاربات الهندسية التي قد توفر حماية أفضل، وتبدأ الخطوة الأولى بقياس ما الذي يكشفه الصوت بدقة، إذ يصعب تطوير أدوات حماية فعالة دون معرفة طبيعة المعلومات المعرضة للخطر.
وأدت هذه الرؤية إلى إنشاء مجموعة الاهتمام بالأمن والخصوصية في اتصالات الكلام، وهي منصة بحثية متعددة التخصصات تهدف إلى وضع إطار لقياس المعلومات التي يحتويها الكلام وتقييم حجمها.
ويقترح الباحثون إمكانية نقل الحد الأدنى فقط من المعلومات اللازمة لإتمام أي معاملة، فعلى سبيل المثال، يمكن للنظام تحويل الكلام إلى نص لاستخراج البيانات الأساسية المطلوبة فقط، بحيث يُدخل الموظف المعلومات في النظام دون الاحتفاظ بتسجيل المكالمة، أو يقوم الهاتف بتحويل الكلمات إلى تدفق نصي يُرسل مباشرة. ويؤكد الباحث أن المعلومات المرسلة إلى مزود الخدمة يجب أن تقتصر على أقل قدر ممكن يحقق الهدف المطلوب.
ويضيف أن التقنية تحمل وعودًا كبيرة إذا وُضعت لها ضوابط وأطر أخلاقية واضحة، ويؤكد اقتناعه بأن واجهات التخاطب الصوتي يمكن أن تُستخدم بطرق إيجابية جدًا، وأن جانبًا كبيرًا من الأبحاث يركز على تطوير تقنيات تتكيف مع المستخدمين لتكون أكثر طبيعية في الاستخدام.
غير أن هذا التكيف نفسه يثير مخاوف تتعلق بالخصوصية، لأنه يتطلب تحليل معلومات خاصة مثل المهارات اللغوية للمستخدمين، وبالتالي فإن المسألة لا تتعلق بإزالة المعلومات الخاصة بالكامل، بل بتحديد نوع المعلومات التي يجري استخراجها وكيفية استخدامها والغاية من توظيفها.