ندرك أن بلوغ الغاية يتطلب فقه ماهية الصبر، والمثابرة من أجل حصاد ثمرات يانعة، رغم معرفتنا المسبقة بأن الصعوبات، والتحديات، التي تواجهنا تزيدنا عزيمة، وإرادة، وتجعل الأمل من لوازم شحن الطاقة، وتحفز الوجدان على المزيد من التطلع نحو أماني الرضا الذاتي، وهنا نعي أن طموحنا لم يأت من فراغ، بل كانت البواعث الإيمانية سببًا رئيسًا في هذا الأمر؛ فتلك من مزايا، وخصائص شهر النفحات، الذي يجعلنا صابرين، محتسبين في كل وقت، وحين؛ فحينما نترك الشهوات، والملذات فذلك حسبة لله -تعالى-، وعندما نتمسك بالطاعات رغم المشاق من قبيل إدراكنا عظيمَ الأجرِ والمثوبةِ.
الشراب، والطعام، والحرمان منهما ليسا الغاية الرئيسة لرمضان الرحمة؛ لكن تدريب النفس على فلسفة الصبر الجميل دون ضجر، أو تذمر، أو شكوى، أو امتعاض؛ وهذا من قبيل يقيننا بأن إرادة الله- عزوجل- وحكمته في أوامره، ونواهيه تقوم على تسليم، ورضا، لا ينفكان عن بعضهما البعض، وأن الخير دومًا في ذلك، دون أدنى شك، أو تشكيك؛ فهو جل في علاه أعلم، وأرحم بنا من أنفسنا؛ لذا يعد التمسك بمقتضى شريعته بما تشمله من فرائض، وسنن، ومندوبات طريق منير، وملاذ آمن؛ حيث الوصول إلى حالة الاتزان الضابطة للأقوال، والأفعال، بما يجعل قلوبنا هادئة، ونفوسنا في ارتقاء وطمأنينة.
الصبر الجميل في رمضان، يعزز فينا حب الطاعة، وهجر المعاصي؛ لذا تحثنا المدرسة الرمضانية على تعديل السلوك طواعية، وعلى ترتيب الأولويات وفق خريطة زمنية، لا تقبل التغيير، أو التبديل؛ فالمنهج واضح، وسيناريو التنفيذ دقيق للغاية، وهنا ندرك ماهية المسؤولية في إطارها الفردي، والجمعي؛ إذ يتدرب الفرد على ممارسات الحرمان وفق ضوابط معلنة، يعي بعدها أن الحصول على الأجر مرهون بعمل، ومشقة، واتباع نظام محدد له مدخلاته، وعملياته؛ ومن ثم يستشعر قيمة الوقت، وأهميته في الصيام، والعبادات، وما يترتب عليه من أحكام، لا لبس فيها.
جهاد النفس من خلال مواقيت التلاوة، والذكر وإقامة الصلوات في مواقيتها من صور الصبر الجميل، الذي نمر بمراحله في شهر التقوى، والإحسان، كما أن حرص الإنسان على ترك كل ما يرتبط باللغو وصوره من ملامح هذا الصبر؛ فنظمنا المعتادة قد يشوبها ممارسات، لا تتسق، أو تتناغم مع طبيعة العبادة في أيام معدودات، يتخللها الرحمة، ، والعتق من النار، وبالتالي لا يصبح مكانا لمخالفة الجوارح رغم حالات التعب، والنصب التي قد يمر بها الفرد؛ فهناك معيار رئيس ندركه جيدًا يتمثل في أن المنظومة الرمضانية، لا ينفك فيها الظاهر عن الباطن.
الصَّبْرُ الجميل في رمضان الكريم، يمْنحُنا مقدرة على الوصال، ويحفظ الجوارح، والوجدان في آن واحد، ويعزّز لدينا مشاعر مساق قيم نبيلة، ويؤكد في نفوسنا معان الإيجابية؛ فلا نخضع للمغريات، أو ينتابنا سلبية جراء من يستهدفون النيل من مكارم الأخلاق، وبالطبع يفجر ذلك فينا إرادة، توجهننا بقصد إلى مسارات طريق قويم؛ ومن ثم فإننا لا نخطئ الهدف، وهنا لا نغالي إذا ما قلنا إن رمضان التقوى يسهم في إعادة تشكيل شخصية الإنسان المتوازن في ممارساته، الذي لا يضعف أمام ضغوط حياة مستدامة، ولا تعوقه عثراتها عن استكمال مسيرة العطاء.
مدرسة الصبر الجميل أجمل! ما فيها خلق بيئة مواتية لأسلوب حياة، تقوم على فلسفة التحمل، ومجاهدة النفس المحبة لرغباتها، إنها رسالة ليقظة الضمير، وعهد للسير في طريق الهداية، التي تنير أمامنا جوانب، كانت غير مضيئة في تفاصيل دنياوية؛ حينئذٍ ندرك أن كل ما نقوم به من طاعات سيؤدي حتمًا لثمرة صفاء القلب، ونقاء السريرة، وتعزيز السكينة؛ فتغدو العلاقات، والمعاملات في رقي مستدام.
اللهم ثبِّت قلوبنا على طاعتك، وأعنَّا على مجاهدة أنفسنا، واحفظنا بحفظك، واملأ صدورنا سكينةً ورضًا، واجعلنا من الصابرين المحتسبين، يا رب، كما صبَّرتنا على العطش والجوع ابتغاءَ وجهك، أَلْهِمْنا الرضا، وبلِّغنا مراتب الإحسان، يا رحمن، يا قيوم، إن موتانا قد صبروا على لأواء الدنيا وابتلائها، وانتقلوا إلى جوارك يرجون رحمتك، فأجزِهم يا كريم بالحسنى وزيادة، وأكرم نُزُلهم، ونوِّر قبورهم، وارفع درجاتهم في عليِّين، واجمعنا بهم في دار كرامتك على قلبٍ سليم، إنك أنت الغفور الرحيم.