خالد دومة يكتب: المَسْخ

الإثنين، 23 فبراير 2026 10:43 م
خالد دومة يكتب: المَسْخ خالد دومة

كان يرى الناس من خلال أُذُنه, مهما رأى منهم, وسَمِعهم, فلم يكن يريد أن يعرف أحد من الناس عن قُرب وعِشْرة, إنما كان عِشْقُه الأوْحَد أن يراهم بألسنة الأخرين, يراهم مُشوهين, لأن كثير من الناس في قُرَانا, لا يتركون أحد بلا تشويه, يَعِز عليهم أن يروا إنسان ناجح أو متجهد بِذاته, دون معُونة أحد, ذلك هو هدف نِصَال ألسِنتهم, فأعظم ما يستحْوذ على شعورهم هي النميمة, لها على ألسنتهم حلاوة, تفوق كل حلاوة, عسل مصفى ممزوج بدم الناس وأعراضهم .

كان ذلك الرجل أسمر, له عينان حائرتان, تنتقل بين أقبح ما تفوه به ألسنة البشر, أصلع, تلتقط أُذنيه أبشع ما يقع فيه الناس, وما تدار بهم ألسنتهم من عَفن, نابع من نفوس غير سوية, ورغم نحافته وإصفرار وجهه, إلا إنه بَطِين, لا يشعر بأسف أو وخزة إحساس, وهو يُدَنِّأ نفسه على عتبات الموائد, التي تقام في الأعراس أو المناسبات الأخرى, والغريب والمفزع في الأمر إنه مُدعي التدين, يخطب في الناس بالموعظة, التي لا تعرف إلى نفسه طريق, ولا إلى قلبه أدب, فلا يعنيه من الناس إلا أن هذا يصلي, وهذ لا يصلي, ثم لا بأس مع صلاته من أقتراف أقبح الأخلاق.

ولم ينجو إنسان قابله من لمزه وهمزه, ورميه بما يسكن طويته العَفِنة من حقد حسد وغيرة, فهو أشبه بصُنْدُوق قِمامة مُمْتَليء على هيئة إنسان, فتخرج من نافذة فَمِه روائح كريهة, ومن أذنيه صديد, وعلى عينيه أوْشَاب وضباب, ويحُط ذُباب الأرض عليهما, يبيض ويفقص ويُلوث, فهو شَخص الخِلْقَة, مُشوه الضمير, له أنياب تهتك أستار الفضيلة, لتُلْبِسها أَرْدِية شَوْهاء مُمَزقة, جالست هذا المسخ في نوادي عامة, وأماكن متفرقة, وكنت أتعجب من إفتتان إنسان بما يَصْبغ على الأخرين من تشوهات نفسية, تَنْبُع منه, دون أن يدري أو يخطر على قلبه الأعمى, هذا الكم الهائل من القبح القابع في أعماقه.

حدَّثتني نفسي يوما, وهو يقول ويعيد في أشخاص كثيرين, لا نعلم عنهم إلا الخير, ولم نرى منهم ولو قدر ضئيل مما يَنْحتهم به, ويُلْصِقه بهم, قلت لنفسي ربما يكون مريض شوهت نفسه أحداث وتقلُبات, وخاض صراعات, ولكن كل هذا لا يَخْلُف تلك الأثار المفزعة, فقد نال قسط من التعليم, وشيء من الغنى, ولو لم يكن هناك شيء من هذا, فلا تُثمر نفس كنفسه, إنما هي وضيعة, أثقلت وضاعتها الأيام والسنوات, حتى أصبح لها باع.

وإن نفس كهذه هي شيطان, يرتدي عباءة الدين, ليخدع بها الناس, ويُصدِقونه فيما يدعيه من مواقف وأحداث, تراجعتْ نفسي عن الشعور بالشفقة, فقد مات قلبه, وصدأت مشاعره, فهو الأن جُثَّة تتحرك بين الناس, تنشر دعوتها في بَثْ الشِقاق والكراهية, فلا مَناص من الهروب من مكان تواجده وأمثاله, فلا يأتي من مُجالستهم إلا شرور وسيئات تتراكم مع الأيام, فتُميت القلب, مهما كان يقظ حيّ يشعر.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة