حسين السيد: رمضان فى قاهرة القرن التاسع عشر

الإثنين، 23 فبراير 2026 06:00 م
حسين السيد: رمضان فى قاهرة القرن التاسع عشر المصريون المحدثون

صور لنا المستشرق الإنجليزى "إدوراد وليم لين" فى كتابه "المصريون المحدثون.. شمائلهم وعاداتهم" مظاهر احتفال المصريين بشهر رمضان فى النصف الأول من القرن التاسع عشر، ويعد "لين" من أصدق المستشرقين الذين نقلوا عادات المصريين وتقاليدهم خلال تلك الفترة، وذلك لأنه عاش فى القاهرة وخالط أهلها واحتك بهم وتعلم لغتهم، فرأى بعينه وسجل بقلمه الحوادث والمشاهد كما وقعت دون تهويل أو تهوين.

جاء "لين" إلى القاهرة فى سنة 1825 ولم تكن سنه  تزيد على أربعة وعشرين، ودرس اللغة العربية والدين الإسلامى على يد معلمَيْنِ، وصار واحدا من المصريين، فتحاشى أكل ما تحاشوه، وامتنع عن شرب ما امتنعوا عنه، واتخذ لنفسه اسما عربيا، واكتسب ثقتهم، وائتمنوه على أسرارهم.
عاد "لين" إلى مصر مرة ثانية فى سنة 1833، ووضع كتابه المصريين المحدثين بعدها ثلاث سنوات وهو أفضل كتاب وضع فى وصف شعب، وترجم "ألف ليلة وليلة" وهى من أدق الترجمات الأوروبية.
ترجم "عدلى طاهر نور" كتاب المصريين المحدثين على صفحات مجلة الرسالة منذ أغسطس 1941، وقطع شوطا طويلا فى الترجمة، لكنه لم يكملها على صفحات المجلة. وترجم عدلى الكتاب كاملا فى سنة 1950، كما ظهرت ترجمات أخرى للكتاب مثل ترجمة "سهير دسّوم" لمكتبة مدبولى.
يستهل "لين" حديثه عن شهر رمضان بليلة رؤية الهلال؛ حيث إن "الليلة التى يترقب فيها هلال رمضان تسمى ليلة الرؤية، فيذهب نفر من الناس عصر اليوم السابق أو قبل ذلك؛ ليقضوا بضع ليال فى الصحراء؛ حيث يصفو الجو خاصة لرؤية الهلال الجديد؛ إذ إن الصيام يبدأ فى اليوم التالى لرؤية الهلال. فإذا تعذرت رؤيته بسبب السحب، بدأ الصوم عندما يتم شعبان ثلاثين يوما". ويوضح "لين" أن شهادة المسلم الواحد فى رؤية الهلال تكفى لإثبات الصيام، "وتكفى شهادة المسلم الواحد أنه رأى الهلال لإعلان الصيام".
وفى المساء يسير شيوخ الحرف المتعددة بقيادة المحتسب من القلعة إلى مجلس القاضى فى انتظار حضور شهود الرؤية، وهذا الموكب تقوده خيول عليها أجمل السرج، "وفى مساء ذلك اليوم يسير موكب المحتسب ومشايخ الحرف المتعددة: الطحانين، والخبازين، والجزارين، والبدالين، وباعة الفاكهة، ومعهم بعض أعضاء آخرين من هذه الحرف، وفرق من الموسيقيين، وعدد من الفقراء، يتقدمهم أو يتخللهم، فرق من الجنود، من القلعة إلى مجلس القاضى، وينتظرون هناك عودة أحد المرسلين لرؤية الهلال. وتزدحم الشوارع التى يمر منها هذا الموكب بالمشاهدين على الجانبين، وجرت العادة فى هذا الموكب أن تقاد خيول مدرجة بأجمل السُّرج".
تغيَّر الموكب من مدنى إلى عسكرى، فينتشر الجنود فى الموكب، مكونين فرقا، بعضها يعود إلى القلعة مقر الحكم، وبعضها الآخر يعلن للناس حالة الصيام، فإما صوما وإما إفطارا، يقول "لين": "عندما يصل خبر رؤية الهلال إلى مجلس القاضى، ينقسم موكب ليلة الرؤية إلى عدة فرق، فتعود إحداها إلى القلعة، ويجول الآخرون فى الأحياء المختلفة صائحين: "يا أمة خير الأنام! صيام! صيام"، وعندما لا يرى القمر هذه الليلة، يخبر الشعب بهذا القول:"غدا من شهر شعبان، فطار فطار".
يحرص الناس على قضاء الشطر الأكبر من ليلة رؤية الهلال فى الأكل والشرب والتدخين، يقول: "يقضى الناس على العموم شطرا كبيرا من الليل (عندما يعلن بدء الصيام فى الغد) فى الأكل والشرب والتدخين، ويبتهجون كما يبتهجون عادة عندما يخلصون من شقاء صيام اليوم".
تستعد المساجد هى الأخرى لاستقبال شهر رمضان، فتضاء المساجد وتعلق المصابيح فوق شرفات المآذن، يقول: "ويضاء داخل المساجد هذه الليلة كما تضاء فى الليالى التالية. وتعلق المصابيح عند مداخل المساجد وفوق شرفات المآذن".
ينقل لنا "لين" حالة الصائمين فى نهار رمضان، حيث يقلعون عن تدخين الشُّبك، كما تخلو الشوارع من المارة، وتسيطر حالة من الكآبة على الشارع صباحا، فلا تفتح الحوانيت إلا بعد العصر، ومزاجهم ليس على ما يرام من أثر الصيام، لكنهم بعد الإفطار يكونون فى حالة من المرح بطريقة غير عادية: "لم يعد المرء يشاهد، فى رمضان، المارة يمسكون بشُبكهم فى الشوارع، كما كان يشاهد فى أوقات أخرى، فيراهم بدلا من ذلك، إلى ما قبل الغروب، يحملون عصا أو مسبحة، أو لا يحملون شيئا.. وتبدو الشوارع كئيبة فى الصباح؛ إذ إن كثيرا من الحوانيت يغلق، غير أنها تفتح جميعا فى العصر وتزدحم كالمعتاد. ويعبث المسلمون فى حديثهم على العموم فى أثناء النهار عندما يصومون. وفى الليل، بعد الإفطار، يبشون ويمرحون بطريقة غير عادية".
كالعادة، يكثر الصائمون من قراءة القرآن والأدعية وتوزيع الخبز على المحتاجين، فيقول: "من الشائع فى هذا الشهر، أن تشاهد تجارًا فى حوانيتهم يتلون القرآن أو الأدعية أو يوزعون الخبز على الفقراء".
لا ينسى "لين" أن يتناول ظاهرة التسول، فالمتسولون يزدادون قبيل أذان المغرب وبعده، ويلحون فى سؤالهم بطريقة مزعجة: "وعند المساء وبعد الغروب وقليل يزداد المتسولون مضايقة وإلحاحا أكثر من المعتاد".
بعد الإفطار تزدحم المقاهى بروادها، والكثير منهم يفضل تناول القهوة مع تدخين الشبك، هى عادة لا تزال موجودة بيننا الآن، فكثير من الصائمين لا يعبأون بالجوع أو الشراب وإنما يجزعون لعدم التدخين. كما حدثنا عن إفطار كثير من الطبقتين العليا والوسطى وإن كان سرًّا.
"وفى هذه الأوقات، تزدحم المقاهى بأخلاط الناس، فأكثرهم يفضل الإفطار بتناول القهوة والشبك، وقل من لا يصومون من الفقراء، غير أن كثيرا من الطبقتين العليا والوسطى يفطرون سرا".
وصف "لين" موائد الإفطار وعادة المصريين فى كسر صيامهم بعد أذان المغرب بكأس من الخشاف (عادة من التمر والتين والزبيب الجاف المنقوع فى الماء عدة ساعات)، ويوضع معها أيضا عدة قلل من الماء المحلى بالسكر ومعها عادة كوب أو كوبان زيادة على عدد الزائرين الحاضرين ليشترك فى الشرب كل من يقدم على غير انتظار، ويؤدون صلاة المغرب. وبعد هذا الشرب الخفيف يجلسون لتناول طعام وافر من اللحم وغيره، ويسمونه "فطورا". وبعد الفراغ من الطعام وشرب القهوة وتدخين الشبك يقيمون صلاة العشاء ويؤدون صلاه التراويح، وتتكون صلاة التراويح من عشرين ركعة، وقل من يقيم هذه الصلاة إلا فى المسجد؛ حيث يوجد إمام يؤم المصلين. تقفل المساجد الصغيرة فى رمضان بعد صلاة التراويح، وتظل الجوامع الكبيرة مفتوحة إلى السحور أو إلى الإمساك، ويضاء داخلها ومداخلها ما دامت مفتوحة وتضاء المآذن طوال الليل.
يورد "لين" عادة الصائمين بعد تناول الفطور وإقامة الصلاة؛ حيث يمضى بعضهم أحيانا ساعة وساعتين فى منزل أحد الأصدقاء، والغالبية منهم، خاصة أفراد الطبقة الدنيا، تقصد المقاهى مساء؛ إما للاجتماع بالناس، وإما الاستماع إلى أحد القاصين الذين يسلون القوم فى عدة مقاه كل ليلة من هذا الشهر.
ينبهر "لين" بما يراه فى ليل رمضان، فيذكر أنه يشاهد فى الشطر الأكبر من الليل كثيرا من المارة فى الشوارع، كما تظل دكاكين المشروبات والمأكولات مفتوحة، وهكذا ينقلب الليل نهارا وخاصة عند الأغنياء الذين ينامون أكثر معظم النهار.
يتحدث "لين" عن عادة بعض علماء القاهرة الذين اعتادوا أن يقيموا ذكرا فى منازلهم كل ليلة من ليالى رمضان، كما يدعو بعض الأشخاص أيضا أصدقاءهم ويسلونهم بإقامة ذكر أو خاتمة.
لا يغفل "لين" دور المسحر - "المسحراتى" -  فى رمضان، ويتوقف عنده كثيرا، شارحا دوره فى شىء من التفصيل، ففى ليالى رمضان يجول المسحراتى ليقولوا أولا كلمة ثناء أمام كل منزل يستطيع صاحبه أن يكافئه، وفى ساعة متأخرة يجول ليعلن وقت السحور، ولكل خط أو قسم صغير فى القرن مسحراتى.
يوضح "لين" طبيعة دور المسحراتى، حيث يمسك بيده الشمال طبلا صغيرا يسمى "بازا" أو "طبلة المسحر"، وبيمينه عصا صغيرة أو سيرا، يضربه به، ويصحبه غلام يحمل قنديلين فى إطار من الجريد. ويقفان أمام منزل كل مسلم غير فقير، وفى كل مرة يضرب المسحر طبله ثلاث مرات، ثم ينشد قائلا: "لا إله إلا الله"، ثم يضرب بالطريقة نفسها ويضيف قائلا: "محمد الهادى رسول الله"، ثم يعود إلى ضرب طبله ويواصل كلامه: "وأسعد لياليك" يا فلان (مسميا صاحب المنزل). طبعا يستفهم من قبل عن أسماء سكان كل منزل، فيحيى كلا منهم، ما عدا النساء، بالطريقة نفسها، فيسمى إخوة سيد المنزل وأولاده وبناته الأبكار، قائلا فى الحالة الأخيرة: "أسعد الليالى إلى ست العرايس فلانة" ويضرب طبلة بعد كل تحية.
يتناول المسحر على العموم من منزل المتوسط الطبقة قرشين أو ثلاثة قروش وأربعة فى العيد الصغير.
يتجول المسحر قبل الإمساك بساعة ونصف الساعة تقريبا ليوقظ الناس أو يذكرهم بتناول الطعام فى المنازل التى أُمِر بإيقاظها، فیقرع الأبواب وينادى حتی يسمع سکان المنزل نداءه، ویفعل بواب كل حى الشىء نفسه فى كل منزل فى حیه.
أما بالنسبة إلى العشر الأواخر من رمضان، فإن "لين" لاحظ ظاهرة الاعتكاف، وتحدث عنها، فقال: "يمضى بعض أتقياء المسلمين الأيام العشرة الأخيرة من رمضان ولياليها فى مسجد الحسين أو مسجد السيدة زينب.
تحدث عن "ليلة القدر" وهى ليلة السابع والعشرين من رمضان، وينقل "لين" أن القرآن الكريم أنزل فى هذه الليلة المباركة، وأن ليلة القدر "خير من ألف شهر، تنزَّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام هى حتى مطلع الفجر".
يعد وصف "لين" لشهر رمضان بالقاهرة من أروع ما نقل وأصدقه، فلا توجد مثل هذه الدقة فى كتابات المستشرقين، ولا أشك أن "لين" حرص على أن يكون أمينا فى نقله عن طريق الاختلاط بأصحاب البلد والذوبان فيهم كأنه واحد منهم، كما أنه لم يترك صغيرة ولا كبيرة عن أحوال المجتمع فى عصر محمد على إلا قد أتى عليها، ونلاحظ أنه لا اختلاف كبير بيننا نحن الذين نعيش فى القرن الحادى والعشرين وبينهم هم الذين عاشوا فى الثلث الأول من القرن التاسع عشر، فلا تزال توجد ظاهرة كسر الصيام بالتدخين، وما يزال المتسولون قبل أذان المغرب موجودين ويسألون الناس بطريقة مزعجة، ومازال المسحراتى موجودا، وما زلنا نحافظ على طقوس شهر رمضان، وكأنها جينات يتوارثها جيل عن جيل آخر.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة