على سجادة صلاة ممتدة من أقصى الريف إلى عمق الصعيد، تنبت مصر كل يوم "دولة تلاوة" جديدة، لا تعترف بالحدود الجغرافية، بل بحدود الإبداع في حناجر أطفالها، فما نشاهده اليوم من فيض الفيديوهات والصور التي تجتاح الفضاء الإلكتروني لتكريم حفظة القرآن الكريم، ليس مجرد توزيع لجوائز مادية، بل هو "زفة" إيمانية تعيد رسم خريطة الجمال في الوجدان المصري، وتؤكد أن النبع الذي أخرج المنشاوي والطبلاوي لا يزال فياضاً بالدرر.
لقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى مآذن رقمية، تزدحم بأصوات ذهبية تتلو آيات الله وتصدح بالتواشيح والابتهالات، في مشهد يعيد للأذهان عصر العمالقة.
نرى طفلاً في نجع ناءٍ يحاكي شموخ عبد الباسط، وآخر في قرية منسية يقتفي أثر النقشبندي في وجده، وثالثاً يرتل بوقار طوبار، وكأن جينات التلاوة تورث مع مياه النيل.
هذا الحراك لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة ناضجة لجهود إعلامية مخلصة، وعلى رأسها برنامج "دولة التلاوة" الذي يذاع عبر قناة الحياة، والذي نجح في أن يكون "الشرارة" التي أشعلت قناديل المنافسة الشريفة في كل شبر من أرض مصر.
إن ما يحدث في القرى والنجوع اليوم هو "ثورة روحية" هادئة، حيث باتت المسابقات القرآنية هي العرس الحقيقي الذي ينتظره الأهالي، والكنوز البشرية التي تخرج من تحت عباءة البساطة تؤكد أن مصر "ولادة" بعطائها الإنساني.
هؤلاء الأطفال الذين يحملون كتاب الله في صدورهم، ويطوعون المقامات الموسيقية الفطرية في حناجرهم، هم القوة الناعمة الحقيقية التي تضمن بقاء الريادة المصرية في دولة التلاوة العالمية.
لقد أتت المبادرات ثمارها، فصار في كل بيت "منشاوي" صغير، وفي كل زاوية "محمد رفعت" ناشئ، يثبتون للعالم أن مصر ليست مجرد بلد يقرأ القرآن، بل هي البلد الذي يُعلم الدنيا كيف يُتلى القرآن بخشوع يلمس السماء ويستقر في القلوب.
إنها رحلة من النور تبدأ من كُتّاب القرية، لتصل إلى مسامع الدنيا، معلنة أن أرض الكنانة ستظل دائماً الحاضنة الأولى لكلام الله، والمنبع الأصيل للأصوات التي تضيء ظلمات النفوس وتغذي أرواحنا بالسكينة والإيمان.