توجد فى دراما رمضان هذا العام 2026 بعض المظاهر اللافتة، ومنها تقديم منطقة وسط البلد بشكل مختلف وجعلها محورا للأحداث، ومن هنا لم يعد وسط البلد مجرد خلفية عابرة تمر سريعًا فى كادر مسلسل، بل أصبح هذا الموسم أحد أبرز أبطال دراما رمضان، بحضور بصرى كامل يعيد القاهرة الخديوية إلى مكانتها القديمة.
هذا الحضور البصرى اللافت لم يأت صدفة، بل ارتبط بجهود حكومية موثقة فى مشروع ترميم القاهرة الخديوية، وهو مشروع أعيد إطلاقه خلال السنوات الأخيرة ضمن خطط الدولة لإحياء وسط البلد وإعادته إلى صورته الأصلية كما ظهرت فى عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وقد أعلن الجهاز القومى للتنسيق الحضارى فى بيانات رسمية عن الانتهاء من مراحل ترميم واجهات عمارات شارع قصر النيل وطلعت حرب، وإزالة اللافتات العشوائية وعودة اللون الأصفر المميز للعمارات، كما شملت الأعمال ترميم شرفات العمارات، وتحديث الإضاءة الليلية، وتحويل أجزاء واسعة من المنطقة إلى متحف مفتوح يليق بتاريخها.
داخل هذا المشهد المتجدد تتحرك أعمال درامية مثل "عين سحرية" و" عين سحرية "، وهما العملان اللذان قدما نموذجًا واضحًا على كيفية تحويل المكان إلى بطل سردى لا يقل حضورًا عن الشخصيات نفسها.
"عين سحرية".. الكاميرا بطلة ثانية
المسلسل الذى يقوم ببطولته عصام عمر وباسم سمرة يدور فى جزء كبير منه داخل شوارع وسط البلد، البطل يعمل فى تركيب كاميرات المراقبة، والمسلسل يستفيد من تكوين الشوارع الضيقة والواجهات العالية، حيث تصبح الكاميرا نفسها جزءًا من السرد: عيون مراقبة حديثة تتقاطع مع ذاكرة حجرية عمرها أكثر من مئة عام، هذا التضاد بين الرقابة الحديثة والمعمار التاريخى يمنح المسلسل بعدًا رمزيًا، ويضع وسط البلد فى قلب سؤال معاصر عن الخصوصية والهوية والذاكرة.
عين سحرية
مسلسل على كلاي.. دراما في قلب القاهرة
أما مسلسل "على كلاي" بطولة أحمد العوضي، فقد تم تصوير عدد من مشاهده فى سوق التوفيقية وفى عمق وسط البلد، وقد انتشرت فيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعى تظهر التفاف الجمهور حول فريق التصوير أثناء وجوده فى شارع قصر النيل، إلى درجة اضطر معها الأمن إلى التدخل لتنظيم المرور.
وقدم المسلسل وسط البلد بوصفه مكان شعبى ومركز للمدينة، وقلب نابض لا يعرف الهدوء، وهو ما استخدمه العمل بذكاء حين جعل البطل "ابن الشارع" يمر عبر هذا الفضاء الذى يجمع الفئات كلها، هكذا يصبح وسط البلد جزءًا من شخصية المسلسل، لا مجرد لوكيشن خارجي.
وسط البلد… تاريخ مدينة تولد من جديد
منذ تأسيسها فى عهد الخديو إسماعيل فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، صممت القاهرة الخديوية على الطراز الأوروبي، واستقدمت لها شركات فرنسية لتخطيط الشوارع والمباني.
هذه المنطقة كانت ملتقى الأدباء والفنانين والصحفيين، ما فعله ترميم السنوات الأخيرة أنه أعاد لهذه الذاكرة ملامحها، وجعل وسط البلد صالحًا مجددًا لدور فنى وثقافى طالما لعبه.
إن الدراما التى تصور فى قلب مدينة تاريخية تقدم حملة ترويجية للسياحة الثقافية، المشاهد التى تظهر شارع قصر النيل بعد الرصف والترميم، والمبانى ذات الطابع الفرنسي، والمقاهى العتيقة، تخلق صورة بصرية متماسكة عن مدينة تمتلك هوية ومسارًا تاريخيًا واضحًا، وهذا النوع من الترويج هو أحد أهداف الدولة المعلنة فى خطط تطوير القاهرة، إذ أشارت وزارة السياحة والآثار فى عدة بيانات إلى أهمية "إحياء القاهرة التاريخية" بوصفه رافدًا مهمًا للسياحة الثقافية.
والمطلوب، ثقافيًا وإبداعيًا، هو استمرار هذا الخط أن تتحول القاهرة الخديوية إلى منصة إنتاج فني، ليعاد تقديم القاهرة كما هي: مدينة لا تنتهي.