د. محمد عبدالرحمن الضوينى

مظاهر الفرح فى رمضان

الإثنين، 23 فبراير 2026 12:49 م


يأتى شهرُ رمضانُ كلَّ عامٍ حاملًا معه نسائمَ الرحمةِ، وأسبابَ الفرحِ المشروعِ الذى يملأُ القلوبَ طمأنينةً، ويغمرُ الأرواحَ صفاءً.
يأتى حاملًا معه فرحًا من نوعٍ خاصٍّ، فرحًا هادئًا عميقًا ينبعُ من شعورٍ داخلى بالسكينةِ والرضا، ويعبِّرُ عن حالةٍ إيمانيةٍ عميقةٍ، تنبعُ من صلةِ العبدِ بربِّه، واستشعارِه نعمةَ الطاعةِ، وإقبالِه على مواسمِ الخيرِ.

وتتعدَّدُ مظاهرُ الفرحِ فى رمضانَ، ومن أوائلِ هذه المظاهرِ: فرحُ المسلمِ ببلوغِه الشهرَ الكريمَ؛ إذ هو موسمٌ عظيمٌ للطاعاتِ، وفرصةٌ لتجديدِ العهدِ مع اللهِ تعالى. قال سبحانه: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس: 58].

وقد كان السلفُ الصالحُ يدعونَ اللهَ ستةَ أشهرٍ أن يُبلِّغهم رمضانَ، ثم يدعونَه ستةَ أشهرٍ أن يتقبَّلَه منهم، لما يعلمونَ فيه من عظيمِ الفضلِ ورفعةِ المنزلةِ.
ومن أعظمِ مظاهرِ الفرحِ أيضًا الفرحُ بأداءِ فريضةِ الصيامِ، واستشعارِ ما فيها من تهذيبٍ للنفسِ، وتزكيةٍ للروحِ، وتقويةٍ للإرادةِ، وقد بشَّرَ النبى صلى الله عليه وسلم الصائمَ بفرحتينِ عظيمتينِ فقال: «للصائمِ فرحتانِ: فرحةٌ عند فطرِه، وفرحةٌ عند لقاءِ ربِّه»، فالفرحُ عند الفطرِ فرحُ إتمامِ العبادةِ، والفرحُ عند لقاءِ اللهِ فرحُ الثوابِ والقبولِ.

كما يشعرُ المؤمنُ بفرحةٍ ولذَّةٍ خاصَّةٍ فى إقبالِه على القرآنِ الكريمِ تلاوةً وتدبُّرًا، إذ رمضانُ شهرُ القرآنِ، قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة: 185]

كما يفرحُ بقيامِ الليلِ لما فيه من صفاءِ المناجاةِ، وحلاوةِ القربِ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَن قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِه».
ومن مظاهرِ الفرحِ فى رمضانَ الفرحُ بالبذلِ والإحسانِ، حيث تتجلَّى معانى التكافلِ الاجتماعى، ويستشعرُ المسلمُ لذَّةَ العطاءِ حين يُطعمُ صائمًا أو يُعينُ محتاجًا، ويرى أثرَ الصدقةِ فى وجوهِ المحتاجينَ. قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَن فطَّرَ صائمًا كان له مثلُ أجرِه غيرَ أنَّه لا ينقصُ من أجرِ الصائمِ شيئا) [رواه الترمذى]

إنَّه فرحُ المشاركةِ فى الخيرِ، وفرحُ نشرِ الرحمةِ بين الناسِ، وكلُّها مظاهرُ فرحٍ نابعةٌ من الإحساسِ بالآخرِ، ومن الشعورِ بأنَّ للإنسانِ دورًا إيجابيًّا فى حياةِ غيرِه، وبذلك يصيرُ المجتمعُ فى رمضانَ كالجسدِ الواحدِ، تسرى فيه روحُ المودَّةِ والعطاءِ.

ولا يغيبُ عن رمضانَ فرحُ الروحِ بالطمأنينةِ فى لياليهِ المباركةِ، حيث السكينةُ التى تعمُّ المساجدَ، والأصواتُ الخاشعةُ، والدعواتُ الصادقةُ؛ تلك اللحظاتُ تمنحُ القلبَ سلامًا عميقًا، وتزرعُ أملًا متجدِّدًا، وتشرقُ فيها الروحُ بأنوارِ الطاعةِ.

وختامًا، رمضانُ شهرُ الفرحِ: فرحٌ باللقاءِ، وفرحٌ بالطاعةِ، وسرورٌ بالمغفرةِ، وبهجةٌ بالقربِ من اللهِ.

وإذا كان الناسُ يفرحونَ بمواسمِ الدنيا، فإنَّ فرحَ المؤمنِ برمضانَ أعظمُ؛ لأنَّه فرحٌ بفتحِ أبوابِ الجنَّةِ، ومضاعفةِ الحسناتِ، وإقبالِ النفوسِ على ربِّها، وإذا كان العيدُ تتويجًا لهذا الفرحِ، فإنَّ أجملَ ثمارِه أن يبقى أثرُه فى النفوسِ، ليصبحَ الفرحُ قيمةً مستمرَّةً لا تنقضى بانقضاءِ الشهرِ الكريمِ.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة