نحن الآن في الأسبوع الأول من الشهر، ومع ذلك تبدو المؤشرات واضحة:
منحنى الزمن يتسارع، والهلال الذي دخل بالأمس يقترب من الاكتمال.
هذه ليست مبالغة عاطفية، بل حقيقة وجودية تتكرر سنويًا: رمضان لا يُستهلك دفعة واحدة، بل يتسرب قطرةً قطرة، حتى إذا التفتَّ وجدت الكأس قد فرغ.
المشكلة ليست في قِصر الشهر؛ ثلاثون يومًا هي نفسها كل عام، المشكلة في إدارة رأس المال الزمني.
نحن نتعامل مع رمضان كأنه مورد متجدد، بينما هو في الحقيقة نافذة موسمية مغلقة بسقف زمني صارم.
من لا يبني استراتيجية منذ اليوم الأول، سيجد نفسه في نهاية الدورة التشغيلية يكتب تقرير خسائر معنوية:
فُرَص ضاعت، نوايا لم تُفعّل، وخطط بقيت على الورق.
1) وهم البداية الآمنة:
في الأيام الأولى يسود شعور ضمني: «ما زال في الوقت متسع»، هذا أخطر انحياز إدراكي؛ لأن ما يضيع في البداية لا يُعوَّض في النهاية؛ فالطاقة الروحية تتناقص عادةً مع ضغط العمل والعادات، لا العكس.
من أراد عائدًا تصاعديًا في العشر الأواخر، فليبدأ ببناء قاعدة تشغيلية الآن: وِرد ثابت، صدقة منتظمة، ضبط لسان، ونافلة لا تُترك.
2) فجوة التنفيذ:
كثيرون يمتلكون رؤية إيمانية واضحة، لكنهم يفشلون في التحويل إلى سلوك يومي.
الفارق بين النية والإنجاز هو الانضباط.
ضع مؤشرات أداء شخصية بسيطة:
- عدد محدد من صفحات المصحف يوميًا لا يُمس.
- صلاة التراويح ولو أربع ركعات.
- صدقة يومية ولو قليلة لكن مستمرة.
- مراجعة مسائية سريعة: ماذا ربحت اليوم؟ وماذا خسرت؟
المحاسبة ليست جلدًا للذات، بل حوكمة داخلية تمنع الانزلاق.
3) العشر الأواخر لا تُصنع في ليلة:
نحن نُبكي غالبًا على العشر الأواخر،ونستحضر فيها طموحاتنا الكبرى. لكن الحقيقة الصريحة: من لم يُحسن إدارة العشرين الأُول، لن يُتقن استثمار العشر.
الزخم لا يولد فجأة؛ إنه نتيجة تراكم.
من اليوم، ابنِ عادة صغيرة لا تسقط؛ لأنها ستكون عمود خيمتك حين تشتد الرياح.
4) الحسرة المتكررة: لماذا لا نتعلم؟
كل عام نتذوق مرارة الفوات، ونعد أنفسنا بخطة أفضل في العام القادم.
لكن الإدارة الرشيدة تقول: لا تؤجل التحسين إلى دورة قادمة.
التغيير الفعّال يبدأ من اللحظة التي تكتشف فيها الخلل، لا من الموعد الذي تتمنى أن تكون فيه أفضل.
5) كن خصيم نفسك:
العبارة القديمة «العاقل خصيم نفسه» ليست قسوة، بل شجاعة.
أن تواجه تقصيرك بوضوح، دون تبرير أو تجميل.
لا تقل: الظروف، الإرهاق، الانشغال، ولكن قل ببساطة: أنا قصّرت هنا، وسأعالج الخلل الآن. هذه هي القيادة الذاتية.
رمضان ليس مجرد موسم عاطفي، بل برنامج تحوّل، من دخله بلا خطة خرج منه بانطباع جميل بلا أثر عميق، ومن دخله برؤية وتنفيذ ومراجعة، خرج منه بنقلة نوعية في علاقته بالله، وفي صلابته أمام شهواته، وفي احترامه لوقته.
لم يفت شيء بعد، نحن في أول الطريق، لكن الطريق لا ينتظر المترددين.
ابدأ الليلة قبل الغد، زد صفحة من كتاب الله، أطِل سجدة، أصلح خصومة، تصدّق سرًا، لا تسمح لنهاية الشهر أن تفاجئك وأنت ما زلت في طور التمنّي.
رمضان لا يرحل فجأة، نحن الذين نغفل حتى نجده قد رحل.