تزامنا مع شهر رمضان المبارك من كل عام، تستعيد الموائد العربية واحداً من أقدم طقوسها وأكثرها التصاقاً بذاكرة الصائمين، إنه "قمر الدين"، هذا المشروب الذي لا يعد مجرد سائل يروي الظمأ، بل هو "أيقونة" تراثية تختزل حكاية عشق ممتدة بين ثمار المشمش و ليالي الشهر الفضيل.
من بساتين الشام إلى أكواب الصائمين
تعود جذور "قمر الدين" تاريخياً إلى غوطة دمشق، حيث برع السوريون منذ قرون في تحويل ثمار المشمش البلدي إلى رقائق مجففة.
وتتعدد الروايات حول تسميته، فمنهم من ينسبه إلى بلدة "أمر الدين" التي اشتهرت بزراعته، ومنهم من يربط بينه وبين طرحه في الأسواق مع استطلاع هلال رمضان، ليتحول مع مرور الوقت من مجرد طريقة لحفظ الفاكهة إلى "سفير" فوق العادة للمطبخ الرمضاني.
كيمياء الصيام والاحتياج الغذائي
لا تأتي شعبية قمر الدين من فراغ، بل هي نتاج "ذكاء فطري" في اختيار الغذاء المناسب لطبيعة الصيام، فهذا المشروب يحتوي على نسبة عالية من الفيتامينات مثل (A, C, B)، بالإضافة إلى البوتاسيوم الذي يساعد في تنظيم سوائل الجسم.
طقوس التحضير
تتجلى رمزية قمر الدين في طريقة تحضيره التي تشبه طقوس رمضان في الصبر والتأني، حيث تنقع الرقائق لساعات طوال حتى تذوب تماماً، ثم تمزج بلمسات من ماء الزهر أو الورد، لتقدم باردةً في كؤوس تعكس بريق الغروب.
ولا يقتصر حضوره على كونه مشروباً فحسب، بل يتطور في بعض البيوت ليصبح "مهلبية" غنية بالمكسرات، ما يجعله القاسم المشترك بين المشروب والتحلية.
بقاء رغم الحداثة
ورغم غزو المشروبات الغازية والعصائر المصنعة للأسواق، يبقى لقمر الدين "هيبة" خاصة لا تكسرها الحداثة، فهو يمثل الرابط العاطفي بين الأجيال، فرائحته في المنزل تعني للجميع أن "رمضان قد حضر".
وسيظل هذا المشروب الذهبي شاهداً على عراقة التقاليد، ومذكراً بأن الجمال يكمن دائماً في تلك التفاصيل البسيطة التي ورثناها عن الأجداد.