حازم حسين

فتنة التعادى وحكمة الإيذاء

الأحد، 22 فبراير 2026 02:00 م


السِّباع والضباع خطرة دومًا؛ لكنها أخطر عندما تجوع أو تُجرَح، وبدرجة أعلى إن تلاقت وجهًا لوجه، على حال من الاثنتين.

آخر ما يشتهى العاقل أن يواجه غريما موفور الطاقة والغضب، ولديه ما يسعى للهروب منه إلى الأمام، أو يُشجّعه على إيذاء نفسه لإغاظة منافسه.
أكتب والأرمادا على أطراف أصابعها. كل الأجواء تفوح بروائح البارود، ورسائل التحذير لا تُخطئ صناديق أصحابها، ولا غير المُهتمين بالصراع من الأساس.
إن صحّت الإشارات؛ فربما تدور المدافع أسرع من المطابع. تردد أن العملية وشيكة للغاية، وسُرِّب من باب التهويل والردع، أنها ربما تكون مساء السبت/ فجر الأحد.

كتب ترامب أنه يُفكر فى ضربة محدودة لإيران. لم يُعلن القطيعة مع مسار التفاوض، ولا تراجع عن إشادته ورجاله بالجولتين السابقتين.
وغالب الظن أنه يحاول ضبط المعادلة، طمعا فى تسريع التفاعلات، من دون أن ينفجر المعمل بمَن فيه.

يُطارد الامبراطور أعداءه فى أرجاء الأرض؛ لكن أقسى الطعنات تأتيه من الداخل. له فى المحكمة العُليا سّتة من جُملة الأعضاء التسعة، ثُلثان عَيّن نصفهم فى ولايته الأولى، وبالعدد ذاته تلقّى صفعتها على هيئة إلغاء قراراته الجُمركية.

امتص الصدمة سريعًا. ألغى المطعون فيه، واستلّ قانونًا بديلاً من رفّ العتيق والمجهول، ليُقرّ بموجبه رسومًا جديدة على العالم كلّه؛ غير أنها حيلة مؤقتة ستسقط بعد خمسة أشهر؛ ما لم ينزل الكونجرس على إرادة الزعيم، ويُقَونِن له ما يغصبه من صلاحيات المؤسسات.

الجمهورية الإسلامية تعيش مأزقا عظيمًا. طال عليها الحصار حتى تعوّدته؛ لكن شعبها لم يَعتَد، أو أكمل دائرة الحرمان وعاد لنقطة البدء من جديد.
خيال طازج لن يبقى طويلاً فى الأقفاص، وصارت مسألة وقت قبل أن تضيق عليه الشمولية، أو تتسع أحلامه على بطش النظام.

كلاهما مجروح، والأسباب شتّى؛ ومن سوء حظّيهما أن يتقاطع طريقهما إلى التداوى فى لحظة نكراء. لا بديل عن التنازل، ولا يتّفقان على الفكرة أصلاً.
تُماطل طهران لاغتنام الوقت؛ بغض النظر عن المآلات. ما طُلِب منها لأول وهلة، كان أعلى كُلفة عليها من الحرب، وما تبتغى إخلاء الطاولة له اليوم قد لا يُشبِع رجل الصفقات النَّهِم.

رئيس تسوقه أطماعه، وتنزف نرجسيته. والمُرشد لا يختلف عنه كثيرًا، لا فى ذاته المُتضخّمة ولا ثقته المُهتزّة. ويزيد على الأخير أنه الأضعف، ومُطالَب بالتوفيق بين الشرعية والبقاء، كأنك تُخيِّر جريح حرب بين البَتْر والموت.

ينص الدستور على تصدير الثورة، ويهفو الخاطر إلى استثمارات أربعة عقود، وأدوارٍ صنعت مجد العمامة السوداء، وما عاد التخلّى عنها سهلاً.
قائد الترامبية ظلّ ماضيًا على الطريق نحو المَلَكيّة الكاملة، أو اختراع صيغة شمولية فى بلد تمثال الحرية. ما يزال سائرًا؛ غير أن الحُكم الأخير عرقله بخفّة، وأوحى له بخواتيم قد لا تكون كما تمنّاه تماما.

ليس عبء الإلغاء فحسب؛ بل إمكانية التكرار، مع سقوط هالة العصمة. شهور لن تكون هادئة، فضلا على موعد لم يعد مضمونا مع الناخبين فى الخريف.
إذا كان يُحمّر عينيه درجة أو درجتين من اللون سابقًا؛ فعمّا قريب سيصل إلى ذروة الأحمر القاتم، وسيتّقد منهما الشرر. يومًا عن آخر تصّاعد احتمالات الصدام، وقد يُطلَب للتغطية على سواه.

إيّاك أن تجرح عدوّك، كما يقول ميكافيلّى، فإمّا تقتله أو تحوّله صديقًا. وإذا استحالت الصداقة بين عدوّين؛ فلا يتبقى إلا القتل، أما الجراح فإنها وافرة على الناحيتين.

العداوة سابقة على عودة الخمينى من منفاه. جراح إيران من الأمريكيين لا حصر لها، وجراحهم منها أيضًا. والمُماطلة الآن جُرح جديد، تُصيب رجلا يصعب عليه القصاص فى بيئته، وقد لا يجد إلا التعويض فى الخارج.

أية ضربة ستضيف خدشًا لجسدٍ بلا مَوضع سليم. وكلُّ تَذَاكٍ يرفع المخاطر ويُرجّح الأخطاء. الطرفان تقودهما فتنة التعادى، ويفتقدان حكمة الكَرّ والفَرّ والإيذاء الحصيف. مطاردة بين جنسين من الضوارى، ولا سبيل لأن يتعايشا باتفاقية سلام للأسف.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة