خالد دومة يكتب: الحلَّاج "القلب الثائر 2"

الأحد، 22 فبراير 2026 11:28 م
خالد دومة يكتب: الحلَّاج "القلب الثائر 2" خالد دومة

كانت قرائتي في تلك الليلة عن شهيد الصوفية الحلاج، فما أشبهني بهذا الشيخ، وإن أختلفت المشارب، وأتسعت الطرائق، وصارت متباينة في أولها وأوسطها، وفي نهاية الطريق نتقابل فوق نقطة واحدة، وسعدنا بها لأنها كانت هي نقطة الطمأنينة، الراحة الأبدية بعد سنوات من التعب والضنا، وإن كنت أقل علما، فطالت سنوات الأرق. في تلك الليلة كنت على موعد معه بعد قراءة متأنية في حياته وأشعاره، شربت الشاي المغلي، ودخنت سيجارة أتقنت لفها يد صديق، وألقى بها إلى في بداية المساء، أخذت نفسا عميقا، وفي يدي كوب الشاي أرتشف منه واستنشق رائحة التبغ الممزوجة بال......، وخفت وطأت الأشياء، وهامت روحي تنطلق، ونشوة تسري أفي جوارحي، فتحت النافذة قليلا، ليتسلل الهواء ببطيء، فتدور رأسي، وينتقل عقلي بين الأزمنة والأمكنة، تقابل الموتى وتعانق الأرواح، وتستخبر وتتسآل وتعود بزخيرة من متعة العقل والروح، فتسبح في عوالم علوية، تخاطب من تريد وتلتقي بمن تحب، أغمض عيني، لتكتمل نشوة الروح، وتسبح في عالمها، حيث تريد وما بين اليقظة والنوم، سمعت ذلك الصوت، صوت قابلته في الأزل، لم أسمعه من قبل في عالمنا الأرضي، لكني سمعته في الأزل قبل أن يهبط أبانا أدم إلى الأرض قبل أن تسكن الأرواح الأجساد، وتخفي عنا أشياء كثيرة، وعوالم ما نراه في كوكبنا، قبل أن تزداد كثافة الجسد، لتخفي عن الروح الحقيقة الكبرى


..من؟ سألته؟ أظن أني أعرفك؟ لعلنا تقابلنا من قبل؟ .
- إننا لم نلتقي من قبل.


.. صدمتني إجابته، لكنني واثق مما أقول، لعله مخطأ أو نسي، فالإنسان كثير ما ينسى ونبرات صوته مما لا يُنسى أبدا، ولكن أين؟ لا أدري، لسوف أتذكر وأذكّره أين قابلته ومتى سمعته، فمن أنت إذن؟ وكيف تسللت إلى حجرتي، وهي مغلقة من الداخل، لعلك لص إذن، ولكن صوتك ملائكي، لا يمكن أن تكون لصا أو تحمل شرا لأحد، ألا تخبرني من أنت وكيف هبطت إلى؟ ولكنك غير واضح لعيني، لماذا تبدو لي كطيف؟ هل أنت إنسان أم إنك جن من عالم غير عالمنا الأضي؟ أعذرني إن أخطأت التقدير، فأنا لست على ما يرام هذه الليلة، وهذا الدخان الذي يملأ حجرتي، يترك أثرا على عقلي، وغشاوة على عيني، فأنا لا أحب أن يكرهني أحد، وقد أندفع فأقول ما لا أقصد، أن أجرح به أحد، أثقلت عليك بحديثي ولكن قولي من أنت؟ .....


- أنا ذلك الطيف الذي كنت تتمنى أن تقابله منذ قليلا، من كنت تقرأ عنه في ليلتك، وقد تشبعت روحك نشوة به، وتمنيت لو قابلته وجمعتك به الأيام والسنوات، لأنك شعرت، بأنكما متقاربنا، رغم بعد السنوات والقرون رأيت فيه منك، أنا طيف الحلاج أو تستطيع أن تقول هذا ما أطلقوه علي منذ أن لازمته سنوات حياته، وتشبثت به، حتى بعد موته، ورأيت الكثير من الناس بعد مماته، فلاسفة وعلماء ومتصوفة وشيوخ منابر، وعلماء دين ومحدثين، ومفسرين، الكثير والكثير منهم، ولم أشعر بأحد منه يخرج من تحت عباءته، أو يدور في رأسه، ما كان يدور في رأسك، ليس أحد على الاطلاق إلا واحد فقط تخيل كل هذه السنوات والقرون، التي مضت ولم أجد له شبيه أو تقارب منه في شعوره وفكره، واحد فقط يشبهه ويدور في عقله وقلبه، ما يدور فيه هو أنت، لعلك لا تصدقني أو تظنني أبالغ فيما أقول أو أدعيه، فلست مجبر على شيء من هذا ولست شيطان أزين لك باطل أو أشوه لك حقائق، فأنا لست طيفا مختلف، ولكني منذ أن ألتصقت بذلك الرجل، وسمني به، فعرفته معرفة أزلية، معرفة أرواح، وكنت أخاطبه كما أخاطبك الأن وتصادقنا وكانت أحاديثنا لا تنقطع أبدا في كل ليلة، كنت ألتقي به، وأهمس إليه، ويهمس إلي وتدور الأحاديث بيننا، كأنما يخاطب نفسه، ويحاورها فمنذ بلغ مبلغ الرجال وإلى أن تناثر رماده في نهر دجلة، وامتلأ به وفاض وصعد إلى عالم الملكوت. فأنت من أهل الرجل، من عائلته الروحية، وأكثرهم قربا منه، وأنا أشتاق إلى الحديث عنه، مع من يعرفه، وفيه منه، كأني بك جزء منه، ولد صالح يدعو له، ويعيد سيرته على مسمع من تيارات الهواء، فتسير مع الأثير تحكي قصته، وتتلو أناشيده في الحب، لتعم الوجود، كان يتمنى حياة إنسانية، تنعم فيها البشرية بعقيدة الحب، لا عقيدة غيرها، التسامح والرحمة، ولقد سمعت تلك الأصوات في قرارة نفسك، وأنت نائم تحلم بها وتتمناه، وتسعى إليها، وتحزن لحال الإنسان وحروبه وعذاباته، سمعتك تهذي كثيرا في مرضك، وفي أحلامك، وفي كلماتك من وعيك الباطن، وحيرتك الظاهرة، علمت أنك نسخة مصغرة منه، تسعى لتكبر من أجل الإنسان، راقبتك سنوات، فكأني بك حلاج جديد، ومحاولة جديدة لتوقظ عيونى غفلى، وقلوب أسكرتها خمور الأنانية والحقد والحسد، فأردت أن تنقيها مما علق بها من أكدار، علمت فيك كل هذا فأردت أن أساعدك، لعلك تفلح فيما أخفق فيه الحلاج منذ قرون، فالزمن تغير، والناس الأن أكثر وعيا وعلما، بما يدور حولهم، وهم رغم التباعد أكثر قربا، تتشابك المصالح، وتتحد الأهداف، والكل يسعى لخير الإنسان، فإن أي ضرر في مكان ما من الأرض يؤثر على بقاعها البعيدة، فالكل يطالها منها، إن كان خيرا فخيرا، وان كان شرا فشرا، فمن الحمق أن يترك الإنسان الخير، ليسعى إلى ضرر نفسه بيده، فالعالم الآن في مركب واحد، إن نالها العطب، سوف يهلك الجميع بلا تمييز أو انتقاء، وسوف أخبرك بحياته، وما كان يريد، وكيف كان يخطط، وما ينبغي لك أن تتفاده، وما يجب أن تفعله، سوف أسرد لك حياة نفس إنسانية توهجت نورا ساطعا، كي تضيء الطريق لعين الناس، فترى النور وتهتدي إلى الطريق الصحيح، لتبصر الحقيقة، وتنعم بالحب والسكينة والأمان، ولكن نوره كان شديد. أربكت العيون والقلوب، فأشعلت فيه النيران، حتى صار ركام بعد أن عذبته وصلبته وهدمته، لتقيم مكانه صرح من الوهم، كشف عن نفوس ضعيفة، وإن الإنسان لازال يخوض غمار العصبية، التي قضت عليه، وعلى الحلم في الوصول إلى ذلك الإنسان الرباني، فهل تفتح لي قلبك، كي نخوض غمار التجربة، نسلك الرحلة سويا، نخطط لعالم جديد، مولد إنسان جديد، يكون دستور حياته الحب، وقانونه الأعلى العدل والمساوة، والحرية بلا قيد بلا تعصب، بلا لون، إنما هو الإنسان أينما كان، وحيث يوجد في أي مكان، وأي زمن من الأزمان. 


ولكني أريدك أن تكتب ما أمليه عليك من أخباره، جنبا إلى جنب من أخبار رحلتك أيضا، فسنوات التيه التي عشتها، يجب أن تدون، فلست وحدك من يحمل عبأ البحث عن الحقيقة، ليصل إلى النور، إلى نهاية الطريق، ظافرا بما يريد من طمأنينة، يضل طريقها الكثير من الناس، فتكون قصتك هداية أو على الأقل بداية طريق لقلوب حائرة، وعقول أرهقتها سنوات من الفكر والأرق الروحي، فتكون بذلك سببا في سرعة وصولهم، أن تكون ذلك الشعاع في لياليهم المظلمة، قبس من ضوء، حزمة من نور تضرب بضوئها جدران الشك والإرتياب، فتهدم ما أستطعت من أركانها الصلبة، ليظهر من خلفها، ولو قدر ضئيل من حقيقة تسعى إليها القلوب والأفهام فتستريح.
..أتفقنا إذن فلنبدأ الآن.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة