محمود عبد الراضى

بشر من لايك

الأحد، 22 فبراير 2026 04:20 م


بين شاشة زجاجية باردة ونبضات قلب حائرة، سقطت حياتنا في فخ "العرض العام"، وتحولت تفاصيلنا الحميمة من أسرار نودعها صدورنا إلى مشاع نلقي به في سلة المهملات الرقمية. لقد أفسدت "السوشيال ميديا" طعم الأيام، حين استبدلت حقيقة الشعور ببريق الصور، وصار همنا الأول أن "نبدو" سعداء لا أن "نكون" كذلك، حتى غدت لحظاتنا مسلوبة الإرادة أمام سطوة "التريند" وزيف الإعجابات.

لقد فقدت المائدة حرمتها، فصرنا نطعم الكاميرات قبل الأفواه، ونصور الأطباق دون أن نلتفت لشهوة الطعم أو بركة اللمة، وكأن الطعام لم يُخلق ليُؤكل بل ليُعرض. حتى رحلاتنا التي كانت ملاذاً للرفاهية والاستجمام، تحولت إلى "جلسات تصوير" شاقة، نخرج فيها بحثاً عن زاوية إضاءة لا عن راحة بال، فنعود من سفرنا بجوالات ممتلئة بالصور وقلوب خاوية من السكينة.

ويا ليت الأمر توقف عند حدود الرفاهية، بل امتد ليفسد أسمى معاني الإنسانية، فصرنا نمارس "واجب العزاء" بضغطة زر خلف الشاشات، لا لمساندة مكلوم أو مواساة مفجوع، بل لإثبات حضورنا الاجتماعي في "ساحة النشر"، وكأن الوجع لا يكتمل إلا إذا نال نصيبه من التعليقات. لقد تآكلت جدران البيوت الآمنة، واستباحت التكنولوجيا مخادع النوم وزوايا البيوت، فصار الفرد منا يتجسس على نفسه، ويقدم تفاصيل عمره طواعية لمن يعرف ومن لا يعرف.

لقد صرنا عرضاً مستمراً على الهواء مباشرة، نخترق خصوصيتنا بأيدينا، ونعرض مشاعرنا في "بزار" إلكتروني لا يرحم. واليوم، ونحن نغرق في هذا الطوفان الرقمي، بتنا في أمس الحاجة لأن نغلق شاشاتنا لنفتح أعيننا على الحياة الحقيقية، تلك الحياة التي لا تحتاج إلى وسوم "هاشتاجات" لتكون جميلة، ولا إلى فلاتر لتكون نقية. إن استعادة حياتنا تبدأ من إدراكنا أن السعادة الحقيقية تسكن في اللحظات التي لا يعرفها أحد، وأن أجمل الصور هي تلك التي تُحفظ في الذاكرة لا في معرض الصور، فهل نجرؤ على أن نكون أنفسنا بعيداً عن صخب المنصات؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة