ماذا بعد احتلال الصين المرتبة الثانية على الصعيد الدولي في مؤشر القوة الناعمة الدولي، فلم تعد قوة عسكرية أو اقتصادية بل صارت بقوتها الناعمة الأكثر تأثيراً بعد الولايات المتحدة، هذه القوة الناعمة الصينية والتي تهيمن تدريجيا علي العالم في القرن الحادي والعشرين نحن في أمس الحاجة لفهمها جيدا، لذا جاء ترجمة الأدب الصيني إلي العربية ليعطي لنا فرصة لفهم الصين بصورة أعمق، لكن هذه الترجمات لن تؤتي ثمارها دون النقد والتحليل.
من كل ما سبق تجيء أهمية كتاب "الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار" للكاتب علي عطا الذي صدر عن بيت الحكمة، ليحاول تلمّس سمات الأدب الصيني الجديد، وعوامل جدارته بالانتشار عالميًّا، والتحديات التي تواجه ترجمته إلى العربية، من الصينية مباشرة، في ظل تنامي التبادل الثقافي الصيني العربي، باعتباره من أولويات المرحلة الراهنة، صينيًّا وعربيًّا على حدٍّ سواء. ويمكن القول إن هذا الكتاب يدخل في باب "دراسات الترجمة"، وهي قليلة باللغة العربية، حيث يركز على حركة ترجمة الأدب الصيني إلى اللغة العربية، وما تواجهه من تحديات، وما تعكسه من علامات على طريق التقارب الصيني العربي.
إن هدف هذا الكتاب هو التنبيه، ما أمكن، إلى أهمية أن تنتعش دراسات الترجمة على المستوى العربي، وخصوصًا إزاء وافد جديد قديم، هو الأدب الصيني؛ فهو قديم بحكم أن بدايات ترجمة الحديث منه إلى العربية، تعود إلى بضعة عقود، سبقت الطفرة التي نشهدها حاليًّا، والتي زاد زخمها بعد فوز مويان بجائزة نوبل في الآداب، إلى الحد الذي يجعلنا وكأننا بصدد وافد جديد فعلًا، من حيث سماته التي تميزه عن كلاسيكيات ذلك الأدب نفسه.
ومحتويات الكتاب بترتيب ورودها في المتن يتصدرها تمهيد، تليه ستة فصول: قاطرة التقدم، من الصينية إلى العربية والعكس،BOOM بوم أدبي صيني، على الطريقة الصينية، حرير الأدب والاتكاء على الأساطير، والانفتاح على ثقافة الغرب وحضور المرأة، ثم خاتمة حول التحديات والآفاق، وجاء في التمهيد أنه من ضمن أسس الانفتاح الصيني الراهن، الاهتمام بترجمة الأدب الصيني، على النحو الذي يضعه على خريطة الأدب العالمي، وهو ما بات ملحوظا على غرار ظاهرة "البووم" BOOM الخاصة بانتشار أدب أمريكا اللاتينية، وتصدُر نماذج عديدة منه وخصوصا رواية "مئة عام من العزلة" لماركيز، قوائم الأكثر مبيعا حول العالم. وهي المكانة الطبيعية لعيون الأدب الصيني الجديد، وخصوصا المنضوي تحت راية تيار "البحث عن الجذور"، والذي يعتبر مويان من أبرز وجوهه، لا يزال اقترابنا المعاصر من الثقافة الصينية سطحياً، خصوصا عبر فن جماهيري مثل السينما، ومثال ذلك "فيلم "فول الصين العظيم" الذي يصور الصينيين على أنهم يأكلون الصراصير، ويستثمر ما في المخيلة الشعبية عن أنهم بارعون في فنون الدفاع عن النفس. وهو ما سبق أن رسَّخته أفلام بروسلي وغيرها مما نسميه "أفلام الكاراتيه"، والتي راجت في دور العرض السينمائي الشعبية في السبعينيات، وهكذا بات الرائج في أذهان العرب عن الصينيين هو أنهم ملوك الكاراتيه، وأنهم يأكلون الحشرات والكلاب . وفي الحقيقة أن مثل تلك التصورات صنعتها هوليود كما يذكر علي عطا، وفي رأيه أن هذا عن عمد لتسطيح الصورة الذهنية عن دولة يجد الغرب أن من مصلحته شيطنتها، ولتحقيق مكاسب تجارية مضمونة من عرض تلك الأفلام في مصر وغيرها من الدول العربية، في ظل توقع اجتذابها لجمهور عريض من الشباب الذي لم تنضج ذائقته بعد. ومن هنا تأتي أهمية الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، لتصحيح تلك التصورات السطحية.
تحديات وآفاق
ويري علي عطا أن دراسات الترجمة يجب أن تكون ضمن مناهج الدراسة في أقسام اللغة الصينية في الجامعات والمعاهد العربية، مع الأخذ في الاعتبار أن كتبًا عدة عن الأدب الصيني في القرن العشرين صدرت بالصينية وتُرجمت إلى العربية، لكن لا تُوجد كتب مترجمة إلى العربية عن الأدب نفسه في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين. والأمر نفسه ينطبق على الأعمال الأدبية الصينية المترجمة إلى العربية، التي لا نجد كتابًا مستقلًّا يتناولها بالنقد، في سياق دراسات الترجمة ودراسات الأدب المقارن، مع أن معظمها تقترب مقدمات مترجميه من مثل هذا التناول. وهناك كثير من المقالات التي تناولت أعمالًا أدبية صينية استنادًا إلى ترجماتها إلى العربية، نشرتها صحف ورقية وإلكترونية، لكن تنقصنا دراسات عربية معمَّقة تتناول تلك الترجمات بالنقد، في ضوء مقارنتها بأصولها الصينية. ومن هما تأتي أهمية الكتاب الذي نحن بصدده.
وسبق أن أنجزت الدكتورة دينا بيومي دراسة بعنوان "المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة" قارنت فيها بين رواية "مذكرات بائع الدماء" للكاتب الصينى يوهوا، ورواية "شكاوى المصري الفصيح" للأديب المصري يوسف القعيد. وتسلط هذه الدراسة الضوء على نماذج من الشخصيات المهمَّشة وتنتهي إلى أن الروايتيْن تمثلان أرضًا خصبة لتوضيح مدى معاناة تلك الشخصيات في المجتمعيْن الصيني والمصري في الحقبة الممتدة من خمسينيات إلى سبعينيات القرن الماضي. وبالبحث ثم المقارنة؛ يتضح مدى التشابه بين الواقعيْن؛ فقد أبدع الكاتبان في التعبير عن واقع مجتمعيهما المؤلم والقاسي في الخمسينيات والستينيات بالنسبة إلى المجتمع الصيني، والسبعينيات بالنسبة إلى المجتمع المصري. وبحسب بحث لحميدة محمود، جامعة عين شمس – كلية الألسن، نشرته صحيفة الألسن في العدد الـ41 بتاريخ يناير 2025، فإن مستوى الترجمة الأدبية من الصينية إلى العربية يشهد تطورًا ملحوظًا، حيث تزايد الاهتمام بالترجمة من الصينية إلى العربية في السنوات الأخيرة، مع ظهور مترجمين متخصصين وبروز دور نشر خاصة في هذا المجال. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات تتعلق بقلة عدد المترجمين المتخصصين وتوافر المواد المترجمة ذات الجودة العالية. ظهرت دور نشر خاصة مثل "بيت الحكمة" و"مؤسسة قطر" التي تهتم بنشر وترجمة الأدب الصيني إلى العربية. حصول المترجمة ميرا أحمد على جائزة المركز الأول من المركز القومي للترجمة عن ترجمتها لكتاب "مشاهد من شينجيانغ" يعكس تقدير الجهود المبذولة في هذا المجال. هناك حاجة إلى مزيد من الدعم المؤسسي والأكاديمي للترجمة من الصينية إلى العربية، سواء من خلال توفير برامج تدريبية متخصصة أو من خلال دعم دور النشر والمشاريع البحثية. ورأت حميدة محمود أن الترجمة البشرية للنصوص الأدبية تعتمد على فهم المترجم للنص الأدبي بلغة المصدر ونقل معانيه بطريقة تتماشى مع اللغة الهدف، وهذا يختلف عن الترجمة الآلية التي تستخدم التطبيقات الحاسوبية التي تظهر ترجمتها في بعض الأحيان حرفية ولا تضاهي الترجمة البشرية للنص الأدبي من حيث حرية التعبير في فلك اللغة الهدف، غير أن التطور السريع الذي يحدث في تطبيقات الترجمة الآلية يعيد لنا الأمل في إمكانية ولوج هذا النوع من الترجمة إلى ترجمة النصوص الأدبية من لغة إلى أخرى بكفاءة غير مسبوقة. وهدف هذا البحث هو إلقاء الضوء على التحديات التي تواجهها الترجمة الآلية للنص الأدبي من الصينية إلى العربية على مستوى الدلالة والبنية والتذوق الجمالي تطبيقًا على أمثلة من الترجمة العربية لرواية "نهر الزمن"، في ضوء رصد الفروق بينها وبين الترجمة البشرية، بهدف إظهار الإمكانية النسبية للآلة على مستوى ترجمة النص الأدبي، بالإضافة إلى تحديد أوجه قصور هذا النوع من الترجمة.
يرى لي شي جيون وهو باحث ما بعد الدكتوراه في جامعة شانغهاي للدراسات الدولية وباحث مساعد في مركز الدراسات الصيني – العربي للإصلاح والتنمية (في مقال نشره موقع "الصين اليوم" بتاريخ 7 من مايو 2024) أنه على الرغم من تحقيق إنجازات وخبرات قيمة، ما زالت الصين والدول العربية تواجه تحديات ومشكلات عديدة في التبادل والتعاون في مجال الترجمة والنشر، ومنها قلة التنوع في أنواع الكتب المترجمة وعدم استقرار جودة الترجمة وضآلة حصة الأعمال في سوق الطرف الآخر. وأضاف أنه على الرغم من أن الدول العربية تشهد اهتمامًا متزايدًا بالصين؛ فلا يزال اهتمام الشباب العرب بالصين وثقافتها أقل من اهتمامهم بالبلدان الآسيوية الأخرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية. وبالمثل، فإن الشباب الصينيين لا يعرفون كثيرًا عن الدول العربية وثقافتها، بالمقارنة مع معرفتهم عن الثقافة الغربية. وهذا يظهر نقص الجهود في مجال النشر في كل من الصين والدول العربية. من ناحية إعداد الأعمال ونشرها، هناك حاجة إلى توسيع نطاق موضوعات الكتب التي تترجم وتنشر في الصين والدول العربية، ويجب تعزيز جهود ترويج المشروعات وتوزيع الأعمال المعنية. بالإضافة إلى ذلك، يجب على الطرفين الصيني والعربي العمل على جذب القراء، وحث المزيد من الناس في مختلف المجالات على التركيز على الأعمال الناجحة والمشروعات الثقافية المتميزة، وبالتالي يتوسع تأثير الأعمال وتزيد جاذبيتها.كل ما سبق ذكره المؤلف في كتابه لكن الاهم كيف نتعامل مع هذه القوة الصاعدة المستمرة في النجاح دون فهمها وفهم ثقافتها ؟