لا يراهن مسلسل "اتنين غيرنا" على حبكة درامية مشدودة، بقدر ما يراهن على سؤال صعب: هل يمكن لعلاقة عاطفية أن تنقذ شخصًا من خوفه العميق من نفسه؟ العمل، الممتد عبر 15 حلقة، لا يقدم قصة حب تقليدية، بل ينسج حكاية عن رجل وامرأة يلتقيان في لحظة تبدو عاطفية، لكنها في جوهرها لحظة اختبار نفسي واجتماعي معقد.
هنا، لا يكون العائق هو الظروف فقط، بل التاريخ الشخصي، والندوب التي لا تُرى، ومنذ حلقاته الأولى، يضع المسلسل المشاهد أمام مرآة: لسنا فقط أمام قصة ارتباط، بل أمام عملية تفكيك تدريجية لشخصيتين تحملان ماضيهما كحمولة خفية في كل قرار.
الرومانسية في الدراما المصرية، في معظم أوقاتها، انقسمت بين نموذجين واضحين: إما حب تقليدي يقوم على سوء الفهم والعقبات الخارجية، أو حب مأساوي يختزل العلاقة في مرض أو فاجعة.
"اتنين غيرنا" من الأعمال التي حاولت أن تتحرك في منطقة ثالثة، فهو يتوغل في منطقة الخوف النفسي غير المرئي، حيث يصبح الصراع داخليًا بالكامل، لا خصم فيه سوى الذاكرة والهواجس.
أحد أكثر عناصر المسلسل فرادة هو تناوله لما يُعرف بـ"الاكتئاب عالي الأداء"، تلك الحالة التي ينجح فيها الفرد مهنيًا واجتماعيًا، بينما يعيش داخليًا حالة انطفاء بارد، حيث إن هذه الفكرة لا تُطرح كشعار، بل كنسيج درامي يتسلل إلى التفاصيل اليومية للشخصية.
الشخصية التي يجسدها آسر ياسين لا تُبنى على الانهيار الظاهر، بل على الصمت، إنه رجل يبدو متماسكًا، منظمًا، عقلانيًا، لكنه في الحقيقة يعيش على حافة انسحاب دائم من الحياة.
المسلسل ينجح في تجسيد هذا التناقض دون مباشرة أو خطابية، لا يشرح المرض، بل يُظهره في تفاصيل صغيرة: نظرة شاردة، مكالمة مؤجلة، قرار عاطفي يتم تأجيله بلا سبب واضح.
هذه المساحات الرمادية تمنح العمل عمقه، لكنها في الوقت نفسه تفرض إيقاعًا بطيئًا قد لا يحتمله جمهور اعتاد تصعيدًا أسرع وأكثر صخبًا، ومع ذلك، فإن هذا البطء ليس عيبًا خالصًا، بل اختيار جمالي يعكس طبيعة الحالة النفسية ذاتها، فالتعافي أو المواجهة لا يحدثان بانفجار درامي، بل بتراكمات هادئة.
نادراً ما تتناول الدراما العربية حياة الرجل بعد الطلاق خارج إطار الكوميديا أو القسوة النمطية..هنا، يقترب النص من تلك المنطقة الحساسة دون ابتذال ، فالخوف من الارتباط مجددًا لا يُصوَّر كنوع من الأنانية، بل كآلية دفاع، والتردد ليس ضعفًا بل أثر تجربة.
كتابة رنا أبو الريش تطرح هذا الموضوع بحساسية واضحة، لا تُدين الشخصية، ولا تُبررها بالكامل، بل تضعها أمام سؤال أخلاقي معقد: هل يحق لك أن تحب وأنت غير قادر على منح الأمان؟، هذا التوازن بين التعاطف والنقد يمنح العمل نضجًا دراميًا، ويجعل الصراع خفيًا لكنه متصاعد، إذ يعتمد المسلسل بدرجة كبيرة على الحالة الشعورية أكثر من اعتماده على التحول الدرامي الواضح، ويمكن القول إن جرأة النص تكمن في اعترافه بأن بعض المعارك لا تُحسم، بل تُدار.
من هذه الزاوية لا يبدو أن حضور دينا الشربيني وآسر ياسين مع المخرج خالد الحلفاوي كصدفة إنتاجية، بل يظهر كمعادلة محسوبة.
الحلفاوي يميل إلى إيقاع داخلي هادئ يترك للممثلين مساحات للتنفس، وهو ما يخدم طبيعة النص القائمة على التفاصيل الدقيقة، كما أن أداء آسر ياسين يتسم بالتلقائية المقننة، لا يبالغ في الانطواء، ولا يختزله في عبوس دائم، مستكملاً مساره في تجسيد الشخصيات المركبة، غير أن المسلسل يرتكز عليه بدرجة كبيرة، ما يجعل ثقله الدرامي مرتبطًا بحضوره.
أما دينا الشربيني فتقدم شخصية ليست مجرد ملاذ عاطفي، بل امرأة لها تاريخها وهواجسها، وتدرك أن الحب وحده لا يكفي إن لم يكن مصحوبًا بشجاعة المواجهة.. الكيمياء بينهما لا تعتمد على الرومانسية المباشرة، بل على الصمت المشترك والحوارات التي يُقال نصفها بالكلمات ونصفها بالارتباك، وهو اختيار يعزز واقعية العلاقة ويُبعدها عن الزخرفة العاطفية المعتادة.
على المستوى الأوسع، لا يعزل المسلسل العلاقة عن سياقها العائلي والاجتماعي، حيث إن الشخصيات الثانوية ليست ديكورًا، بل دوائر ضغط إضافية، تعكس ثقافة تخاف الوحدة لكنها لا تعرف كيف تُداويها.
هذا التعدد في خطوط السرد يمنح العمل بعدًا اجتماعيًا واضحًا، ويُخرج العلاقة من كونها شأنًا خاصًا إلى كونها انعكاسًا لمجتمع بأكمله. بل إن بعض هذه الشخصيات تعمل كصوت ضمير أو كمرآة إضافية، تكشف تناقضات البطلين وتدفعهما، أحيانًا دون قصد، نحو مواجهة ما يهربان منه.
الشخصيات الثانوية، من أصدقاء وأفراد أسرة، ليست ديكورًا، بل دوائر ضغط إضافية، كل شخصية تحمل رؤية مختلفة للعلاقة، من يدفع نحو الارتباط، ومن يحذر منه، ومن يراقب بصمت، هذا التعدد في خطوط السرد يمنح العمل بعدًا اجتماعيًا واضحًا، ويُخرج العلاقة من كونها شأنًا خاصًا إلى كونها انعكاسًا لثقافة كاملة تخاف الوحدة لكنها لا تعرف كيف تُداويها.
الميزة الأهم في هذا المسلسل أنه لا يسعى إلى نهاية مثالية بقدر ما يسعى إلى نهاية صادقة، الواقعية هنا لا تعني التشاؤم، بل الاعتراف بالتعقيد، فالعلاقات ليست ملاذًا من الخوف دائمًا، وأحيانًا تتحول إلى مرآة تكشفه بوضوح أكبر، قد لا يُشبه المسلسل التراث الرومانسي السابق، لكنه يوسّع حدوده ويعيد تعريف الصراع من سؤال: "من سيعطل الحب؟" إلى سؤال: "من سيواجه ذاته أولًا؟".
وبين جرأته في طرح الخوف النفسي، وتحفظه في الإيقاع، يقف العمل كتجربة رومانسية اجتماعية ناضجة، تفتح بابًا لحب أقل مثالية وأكثر إنسانية، حتى لو كان الطريق إليه أطول وأثقل مما اعتدناه، في رأيي أنه نجح في كسر الجدار الرابع مع المشاهد، ليس عبر الحوار المباشر، بل عبر وضع اليد على جروح نفسية مسكوت عنها في دراما الرومانسية التقليدية.
كل ما يخص مسلسلات رمضان 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026