لا يمكن لزائر البيوت المصرية في شهر رمضان أن يخطئ تلك الرائحة النفاذة التي تفرض سطوتها على الأجواء قبيل الإفطار، إنها رائحة "المحاشي" التي تتجاوز بكونها مجرد وجبة غذائية لتصبح إعلاناً رسمياً عن "العزومات" الكبرى.
فمنذ اللحظة التي يمتزج فيها عبق الخضروات الطازجة بصلصة الطماطم المسبكة، تبدأ حكاية من حكايا التراث الشعبي، حيث يمثل المحشي ذروة السخاء المطبخي، والطبق الذي لا تجرؤ الأصناف الأخرى على منافسته في كسب ود الصائمين.
مشهد اجتماعي
وانطلاقاً من هذا الحضور الطاغي، تتحول المطابخ مع فجر أيام رمضان إلى خلايا نحل لا تهدأ، حيث تبدأ طقوس "التقوير" و"اللف" في مشهد اجتماعي يجسد روح تجمع الأسرة، فالمحشي بطبيعته لا يصنع بجهد فردي عابر، بل يتطلب صبراً وجلداً تتوارثه الأجيال، لترسم النسوة بسواعدهن لوحة فنية داخل "الحلل" المرصوصة بدقة هندسية مثيرة للإعجاب، و هذا التكاتف في التحضير يعكس جوهر الشهر الفضيل الذي يقوم على الألفة والمشاركة قبل أن يقوم على الطعام نفسه.
ومع تنوع أصناف هذا الطبق، من ورق العنب المزين بقطع الليمون، إلى الكرنب المشبع بالدفء، وصولاً إلى الباذنجان والكوسا، يبرز المحشي كعنصر جامع للثقافات العربية بلمسات محلية متباينة.
ورغم اختلاف "الخلطة" بين بلد وآخر، إلا أن الهدف يظل واحداً، تقديم طبق يرضي العين قبل الفم، فالتناسق في الأحجام واللون الأحمر المتوهج للصلصة يجعل من مائدة الإفطار لوحة بصرية تفتح الشهية وتغري الصائمين بعد عناء يوم طويل.
وفي نهاية المطاف، يظل المحشي هو "الترمومتر" الحقيقي لنجاح المائدة الرمضانية، والضمانة الأكيدة لإدخال البهجة على قلوب الضيوف، إنه الطبق الذي صمد في وجه الوجبات السريعة والأطباق العصرية، وبقي محتفظاً بمكانته كرمز للهوية والتدليل الأسري، فخلف كل طبق محشي قصة حب وصبر، ومع كل "قضمة" يستعيد الصائم ذكريات الطفولة ولمات العائلة الكبيرة التي لا تكتمل إلا بوجود هذا السلطان المهيب على رأس السفرة.