عايشة نجاح عبد المجيد تكتب: رمضان وهندسة الروح.. طقوس الصوم وبناء الذات

السبت، 21 فبراير 2026 07:00 م
عايشة نجاح عبد المجيد تكتب: رمضان وهندسة الروح.. طقوس الصوم وبناء الذات د. عايشة نجاح

حين يأتي شهر رمضان، لا يتغير جدول الطعام فحسب، بل تتغير خريطة الزمن، وإيقاع الجسد، وأنماط التفاعل الاجتماعي، بل وحتى صورة الإنسان عن ذاته، ومن منظور الأنثروبولوجيا الثقافية – بتقاطعها مع علم النفس – لا يُنظر إلى رمضان بوصفه شهرًا تعبديًا فقط، بل باعتباره "مختبرًا اجتماعيًا" سنويًا تُعاد فيه صياغة العلاقة بين الفرد وجسده، وبين الذات والمجتمع، وبين الإنسان والزمن.

الطقس بوصفه نظامًا لإعادة المعنى

يعرف الأنثروبولوجي البريطاني Victor Turner الطقس بأنه لحظة انتقالية (Liminality) يخرج فيها الفرد من اعتياديته اليومية إلى حالة خاصة تتجاوز الروتين، في رمضان، يدخل المجتمع بأكمله في هذه الحالة الانتقالية، فالنهار ليس ككل نهار، والليل ليس ككل ليل، وحتى مفاهيم مثل الجوع، والصبر، والإنجاز، تعاد صياغتها رمزيًا.
الصوم هنا ليس امتناعًا بيولوجيًا عن الطعام والشراب فقط، بل هو "إعادة تعريف للسيطرة"، سيطرة الإنسان على رغباته، وعلى انفعالاته، وعلى عاداته، فإن هذه الممارسة المتكررة يوميًا لمدة شهر تعيد بناء ما يمكن أن نسميه "الذات المنضبطة"، أي الذات التي تدرب نفسها على تأجيل الإشباع، وهو مفهوم ناقشه عالم النفس الأمريكي Walter Mischel في دراساته حول ضبط النفس.
عادة ما نتعامل مع الجسد في الحياة اليومية بوصفه أداة وظيفية، نأكل حين نجوع، ونشرب حين نعطش، لكن في رمضان، يتحول الجسد إلى مساحة للرمز والمعنى، الجوع يصبح تذكيرًا بالفقراء، والعطش يتحول إلى تمرين روحي، والإرهاق يصير اختبارًا أخلاقيًا.
وتسمى هذه العملية بـ "إعادة ترميز الخبرة الجسدية"، فالإحساس البيولوجي لا يُفهم بذاته، بل في سياقه الثقافي، الجوع في سياق المجاعة يرمز إلى العجز، أما الجوع في رمضان فيرمز إلى القوة والانضباط والسمو الأخلاقي، المعنى هو الذي يحدد التجربة النفسية.

الصوم كإعادة توزيع للقوة الداخلية

في عالم معاصر يتسم بالاستهلاك الفوري والإشباع السريع، يمثل رمضان حالة مقاومة ثقافية ناعمة، إنه يُعيد الاعتبار لفكرة "القدرة على الامتناع"، وهذا الامتناع لا يُضعف الفرد نفسيًا كما قد يُتصور، بل يمنحه شعورًا بالكفاءة الذاتية؛ أي الإحساس بأنه قادر على التحكم في سلوكه.
هذه الخبرة المتكررة تعزز ما يسميه علماء النفس "الضبط الذاتي طويل المدى"، وهو أحد أهم مؤشرات النضج النفسي، ومن هنا، يمكن فهم لماذا يشعر كثيرون بعد رمضان بارتفاع في تقدير الذات والصفاء الداخلي.
في رمضان يحدث نوع من إعادة توزيع الإحساس، فالزكاة، والصدقات، وموائد الإفطار، ليست مجرد واجبات دينية، بل آليات اجتماعية لإعادة توزيع التعاطف، حين يجرب الإنسان الجوع، ولو لساعات محدودة، تتسع قدرته على فهم معاناة الآخرين.
في الأنثروبولوجيا النفسية، يُنظر إلى هذه الخبرة بوصفها "محاكاة وجدانية منظمة"؛ أي أن المجتمع يصمم تجربة جماعية تُنمّي التعاطف وتقلل من التفاوت الشعوري بين طبقاته.
وختاما، يمكن القول إن رمضان ليس مجرد شهر في التقويم، بل هو "نص ثقافي"، يُعاد قراءته كل عام، في زمن تتسارع فيه الحياة وتتشظى فيه الهويات، يأتي رمضان ليمنحنا فرصة سنوية لإعادة ترتيب الداخل قبل الخارج، ولتجديد العلاقة بين الروح والجسد، وبين الفرد والجماعة.

رمضان – في جوهره – ليس امتناعًا عن الطعام، بل رمضان اقتراب من المعنى.

 

د. عايشة نجاح 
باحثة دكتوراه في الأنثروبولوجيا الثقافية 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة