لم يمر شخصٌه على أحدِ من الناس، حتى ولو كان مروراَ عابراَ، إلا وترك أثراَ في القلب وإحتراماَ وتقديراَ في العقل، وسكينةَ وطمأنينة في الروح، وكان له عبق، يتعلق بالأنوف، وسحر على أطراف لسانه، يأخذ بالألباب، ويؤسرك، ويملأ نفسك فرحاَ وبهجة، وكان لنظرته عمقاَ عجيباَ، وفهماَ لأدق ما يشعر به، وما يقع عليه نظره، كان له حضور طاغى على كل من في مجلسه، فتتوجه الأنظار إليه، وتستملح من أحاديثه، وتستزيد ولا تمل، وإن ظل يتحدث الساعات. صحبته لسنوات قليلة، ولم يترك أحدَ من الناس في نفسي رغم مرور السنوات الطوال، مثقال ذرة مما تركه، وحفره في نفسي، فكان رحمه الله له قلب شاعر، وعقل حكيم، كان شلالاَ من المعرفة والحب والعطف، وجبالاَ راسخة من الود، الذي لا تزعزعه عواصف الزمن، ولا رياح التغيير.
ترى مجالس تجمع من الرجال ما لهم ثقل في كل مجال ومكان، فإذا مر بخاطري طيف الأستاذ، تلاشت صورهم ورأيتهم صغار، فلم تغني جماعتهم ولا كثرتهم، عن وجوده ومكانته، لا في القلوب، ولا في العقول، إنما هو الرجل الأوحد بين الرجال، فلا نظير له، ولا مما يقاربه. له فلسفة خاصة في كل شيء، ونظرة متفردة في الأشياء شديدة الجدية والخطورة وقليلها، حتى أتفه الأشياء، يجيد الحديث في كل شيء، وعن كل شيء، وليس حديث التسلية والاختراع والتفنن، إنما حديث من أتسعت ثقافته في كل فن من فنون الحياة، حديث خبير مجرب، فيجالس ذوي الأسنان من الشيوخ وكبار السن، فتجد حديث طاعن حكيم، ويجالس الأحداث من الصبية والشباب، فهو النضرة والحيوية والحركة، فتحسبه أكثرهم شبابا وانطلاقا واقبالا ..جلسنا حوله يوما حول مائدة غداء بعد صلاة الجمعة، جمعت الكبير والصغير، من يقاربه، ومن هو في مثل سنه، ومن هم دونه سنا، فكنا جميعا ندور في فلكه، حول مركز الدائرة، حول الشمس، كنا جميعا أطفال أو تلاميذ نتطلع إليه، وهو يتحدث، ويلقي نكاته وقفشاته، حتى تدمع أعيينا جميعا، من كثرة الضحك، أذكره جيدا، كان يوما رائعا، أنخفرت في ذاكرتي أحداثه، وصورته التي سكنت قلوبنا جميعا، وإعجابا ودهشة في عقولنا، وإن أقل القليل من الناس من أجتمعت عليه النفوس محبة ورضا، فكنا نراه بقلوبنا لأنه يرانا جميعا بقلبه، لم أقابل في حياتي إنسان أكثر منه طيبة وعطفا وذكاء، حتى هؤلاء الذين لا تعرف قلوبهم إلا الحقد والحسد، كان يستلها من نفوسهم بمحبته، ويحيل صحراء قلوبهم إلى روضة غناء، كان يحي فيهم ما مات في نفوسهم من خير ومودة، حتى ولو للحظات وجوده بينهم، فكان يجبر الجميع على حبه، وسلاحه في خضوعهم لمحبته هو نقاء روحه، وصفاء قلبه، فكان أعجوبة في مس القلوب، وهداية حيرتها، حتى صمته كان بليغا كحديثه، يرسل بصمته إشارات الاهتمام والإصغاء والتقدير، حتى ولو صدر الكلام من عقول متواضعة أو فارغة أو لا تحسن التفكير، فيظن من يحدثه إنه يقول درر، فيخرج أفضل ما عند الأخرين، أليس هذا سحر، ودماثة خلق، وطيب نفس.... سكنت روحه جنان الخلود، والفراديس العُلى، ونعمت بكل جميل وجليل، اللهم أمين.