في قلب بورسعيد، المدينة التي تشكّلت ملامحها على ضفاف قناة السويس، يبرز مسجد عبد الرحمن لطفي (لطفي شبارة) كأحد أبرز معالمها الدينية والمعمارية، جامعًا بين قدسية المكان وروح التاريخ، وعاكسًا حالة فريدة من التلاحم المجتمعي الذي ميّز المدينة عبر عقود طويلة.
من الاسم إلى الحكاية
يحمل المسجد اسم عبد الرحمن لطفى شبارة، أحد رموز العمل الخيري في مطلع القرن العشرين، الذي ارتبط اسمه بمبادرات إنسانية تركت أثرًا واضحًا في وجدان أهالي بورسعيد، ليصبح المسجد امتدادًا لسيرته وعطائه.
تاريخ التأسيس
تعود جذور إنشاء المسجد إلى أربعينيات القرن الماضى، حيث شُيّد على الطراز الأندلسي المميّز، باستخدام خامات بناء جرى استقدام بعضها من إيطاليا، في خطوة تعكس أهمية المشروع آنذاك.
نال تشييد المسجد موافقة شيرين باشا محافظ بورسعيد في ذلك الوقت، ليصبح أول مسجد يطل مباشرة على المجرى الملاحي لقناة السويس وقتها، وافتتحه الملك فاروق، قبل أن يُعاد افتتاحه رسميًا عام 1954 على يد الرئيس جمال عبد الناصر.
تحفة أندلسية بنكهة مصرية
يجسّد المسجد مزيجًا متناغمًا من العمارة الإسلامية، حيث تتجلى ملامح الطراز الأندلسي في مئذنة شامخة مزدانة بنقوش هندسية دقيقة، قبة رئيسية تتوسط البناء، تحيط بها قباب نصفية أصغر، نوافذ زجاجية ملوّنة وخطوط قرآنية تزيّن الجدران، وأروقة وساحات واسعة تستوعب أكثر من ألف مصلٍّ.
واعتمد البناؤون على الحجر الرملي المحلي والرخام، في مشهد يبرز براعة الصناع المصريين ويمنح المكان روح السكينة والوقار.
دور ديني ومجتمعي متجدد
لا يقتصر دور مسجد لطفي شبارة على أداء الشعائر الدينية فقط، بل يمتد ليكون مركزًا للتفاعل الاجتماعي، إذ تُقام به الصلوات اليومية وخطب الجمعة.
ويشهد خلال شهر رمضان صلوات التراويح، وإفطارات جماعية تجمع أبناء الحي، ويحتضن حلقات تحفيظ القرآن ومحاضرات التوعية الدينية، ويمثل مقصدًا ثقافيًا وسياحيًا للمهتمين بتراث بورسعيد.
ويؤكد الأهالي أن المسجد ظل عبر الأجيال رمزًا للفخر والانتماء، ومكانًا اجتمعت فيه القلوب قبل الصفوف.
ترميم يحافظ على الهوية
شهد المسجد في عام 2017 أعمال تجديد وترميم شاملة، جرت تحت إشراف الجهات المختصة، مع الحفاظ الكامل على طابعه الأثري والمعماري، ليواصل أداء رسالته الدينية والثقافية دون أن يفقد ملامحه التاريخية.
ذاكرة مدينة لا تغيب
يبقى مسجد عبد الرحمن لطفي (لطفي شبارة) أكثر من مجرد بناء أثري؛ إنه صفحة حيّة من تاريخ بورسعيد، وجسر يربط بين الماضي والحاضر، ومنارة إيمانية تستمر في بث قيم التسامح والوحدة، خاصة في شهر رمضان الذي تتجلى فيه روح المكان وأصالته.

قبة المسجد

صورة تعبيرية للمسجد

شارع المسجد قديما

الفيلا مكان المسجد حاليا