محمود عبد الراضى

فخ "أنا خير منه"

الجمعة، 20 فبراير 2026 01:22 م


بدأت المأساة بكلمة، وانتهت بخلود في الجحيم، حين نطق "إبليس" بلسان الكبرياء جملته التي هدمت صومعة عبادته "أنا خير منه"، لم تكن تلك الكلمات مجرد حروف تشكلت، بل كانت إعلاناً عن ميلاد أول فيروس نفسي عرفته الخليقة، وهو "هوس المقارنة".

لقد سقط من علياء قدسه ليس لأنه عصى فحسب، بل لأنه انشغل بـ "الغير" عن "الذات"، وبـ "الأفضلية" عن "العبودية"، فكان الجزاء من جنس العمل، ناراً لمن ظن أن ناره تعلو على طين غيره.

إن الكابوس الذي نعيشه اليوم ليس سوى صدى بعيد لتلك الكلمة، حيث تحولت حياة الكثيرين إلى جحيم مستعر بسبب الانشغال برصد نعم الآخرين.

هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم "محاسبين" على أرصدة القدر، يراقبون من نال ومن حُرم، ومن ارتقى ومن سقط، نسوا في غمرة سباقهم الوهمي أن الحياة ليست "مباراة" مع الآخر، بل هي "رحلة" مع النفس.

المشغول بالمقارنات لا يهنأ بحياته، لأنه يرهن سعادته بمدى تفوقه على جاره، ويقيس نجاحه بمدى إخفاق زملائه، فتراه يقتات على الحسرة، ويشرب من كأس الحقد، حتى يجف نبع الرضا في قلبه.


لقد صار العالم شاشة عرض كبيرة، يتباهى فيها البعض بما يملكون، ويتألم فيها البعض الآخر لما يفتقدون، غافلين عن حقيقة أن لكل إنسان "مداره" الخاص، وأن الشمس لا تقارن نفسها بالقمر، فكلاهما يضيء في وقته.

إن التركيز مع الآخرين هو استنزاف للعمر في معارك خاسرة، فمن راقب الناس مات هماً، ومن ركز على ذاته عاش قمةً، السعادة الحقيقية تكمن في أن تكون اليوم نسخة أفضل منك بالأمس، لا نسخة مشوهة من نجاحات غيرك.

كف عن التلصص على حيوات الآخرين من ثقوب منصات التواصل أو عيون الحقد، وركز مع "نفسك" فقط؛ ففي داخلك بستان ينتظر السقاية، وفي عقلك طاقة تنتظر التحرر.

إن رهانك الحقيقي يجب أن يكون على تطوير قدراتك، وترميم تصدعاتك، والامتنان لما في يدك، لا تجعل جملة "أنا خير منه" تحول حياتك إلى كابوس مطبق، بل قل "أنا بخير بنفسي"، واصنع عالمك الخاص بعيداً عن ضجيج المقارنات، فمن رضي بما قسمه الله له، ملك الدنيا ومن فيها، ومن انشغل بغيره، ظل في سجن "الأنا" حتى يدركه الفناء وهو لا يزال ينظر إلى عشب الآخرين، ناسياً أن أرضه كانت أولى بالزرع.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة