تنشأ في اللغات واسعة الانتشار ظاهرة التباين اللهجي الذي قد يصل إلى درجة التنافر وعدم الفهم المتبادل بين المتحدثين، ولمواجهة هذا التحدي، تقوم المجتمعات اللغوية بتطوير آليات للفهم المشترك عبر اختيار لهجة محددة لتصبح وسيلة تواصل عامة، ولا يحدث هذا الاختيار عشوائيا، بل يستند إلى تراكم تاريخي وعوامل موضوعية، منها سهولة اللهجة وموقعها الجغرافي المتوسط، مما يجعلها نقطة التقاء طبيعية بين الأطراف المختلفة.
وقد جسدت لهجة "قريش" هذا النموذج عند العرب على مدار التاريخ المعروف قبل نزول الإسلام؛ فقد أسهم موقعها الجغرافي المركزي واحتكاكها الدائم بالقبائل الأخرى عبر مواسم الحج ورحلات التجارة - رحلة الشتاء والصيف - في جعلها لهجة مفهومة للجميع، وقد أدى هذا التفوق الوظيفي إلى ارتقاء لهجة قريش من مستوى اللهجة المحلية إلى ما يمكن اعتباره تمثيلا نموذجيا لفكرة "اللغة المشتركة"، وهو ما جعلها المكون الأساسي للغة القرآن الكريم، مما أسهم في تثبيتها باعتبارها لغةً معيارية.
وتنفرد اللغة العربية اليوم بوجود لغتين مشتركتين؛ الأولى هي الفصحى القديمة التي ثبتت قواعدها النصوص المقدسة، والثانية هي "اللهجة القاهرية" الحديثة التي تشكلت نتيجة ظروف مشابهة، فموقع مصر الجغرافي المتوسط بين الأقطار العربية، ودور الأزهر الشريف كمركز تعليمي ودعوي يستقطب الطلاب ويرسل البعثات، قد لعبا دورا محوريا في نشر هذه اللهجة، ويمكن أن نضيف إلى ذلك الثقل الإعلامي والفني للقاهرة، التي أصبحت منذ مطلع القرن العشرين مركزا للصحافة والإذاعة والسينما، مما حول القاهرية إلى لغة مفهومة ومعتمدة في التواصل العربي المعاصر.
بناءً على هذا الواقع اللغوي، تبرز ضرورة علمية لإعادة النظر في القواعد والآداب التي أنتجتها هذه اللغة المشتركة الجديدة، ويتطلب ذلك توجيه دعوة جادة لأقسام اللغة العربية في الجامعات للبدء في تدريس "أدب العامية المصرية" ضمن مقرراتها الأكاديمية، مع التركيز على أعمال رواد مثل صلاح جاهين، وسيد حجاب، وفؤاد حداد، وبيرم التونسي، وعبد الرحمن الأبنودي.
إن هذه الدعوة تنطلق من اعتبار نتاج هؤلاء الشعراء "نصوصا أدبية أصيلة" تمتلك رؤاها الجمالية واللغوية الخاصة وليست مجرد "أدب شعبي" أو فولكلور، فدراسة هذه الأعمال وفق مناهج النقد الأدبي واللغوي تسهم في فهم التطور اللغوي الحديث، وتكشف عن الإمكانات التعبيرية المضافة التي قدمتها هذه اللغة المشتركة للثقافة العربية، مما يغني المحتوى الأدبي ويجعله أكثر قدرة على استيعاب وتوثيق التجربة الإنسانية المعاصرة، فهل يمكن أن نرى مقررا خاصا لشعر العامية المصرية في تطوراته المتعددة؟