حين يمتزج شموخ الصعيد بعذوبة الترتيل، يبرز اسم الشيخ محمود أبو الوفا الصعيدي كواحد من أهم الأعلام الذين صاغوا وجدان المصريين في ليالي رمضان المضيئة. فمع اقتراب أذان المغرب، ينساب صوته من مآذن المساجد وعبر أثير الإذاعة، ليملأ الأرجاء سكينة وطمأنينة، محولاً لحظات الانتظار إلى رحلة إيمانية تتغذى فيها الروح قبل الجسد، وتستعيد معها الهوية المصرية طقوسها الرمضانية الأصيلة.
في حضرة التلاوة.. كيف أصبح الشيخ أبو الوفا الصعيدي صوتاً لـ "طمأنينة المغرب" في رمضان؟
في قلب قرية "كلح الجبل" بمحافظة أسوان، ولد الشيخ محمود عام 1954، حاملاً في حنجرته قوة الصخور وصفاء السماء.
لم تكن مسيرته مجرد تلاوة عابرة، بل كانت مشروعاً روحياً فريداً؛ حيث استطاع بأسلوبه المميز أن ينقل عبق "الأرض الطيبة" إلى قلوب الملايين.
تميز أبو الوفا بقدرة فائقة على تصوير المعاني القرآنية عبر نغمات صوته، فكان صوته بمثابة دعوة صريحة للخشوع والتدبر، مما جعله أحد أبرز القراء الذين يشار إليهم بالبنان في مصر والعالم الإسلامي.
انطلق صوت "أبو الوفا" من أقصى الجنوب ليغزو إذاعة القرآن الكريم، معبراً عن ثراء الثقافة القرآنية في صعيد مصر، الذي ظل دوماً منبعاً للأصوات الذهبية.
ولم يقتصر تأثيره على النطاق المحلي، بل جاب بصوته العذب أرجاء الوطن العربي، حاملاً رسالة السلام والإيمان، ومساهماً بقوة في إثراء التراث القرآني الذي تفتخر به مصر كقوة ناعمة لا تُقهر.
رحل الشيخ محمود أبو الوفا الصعيدي عن دنيانا في نوفمبر 2018، تاركاً خلفه ثروة من التسجيلات التي لا تزال تنبض بالحياة في قلوب محبيه.
إن صوته اليوم ليس مجرد ذكرى، بل هو جزء حي من هوية شهر رمضان في مصر؛ يذكرنا دائماً بأن الصعيد ليس فقط منبع الرجال، بل هو أيضاً مهد الأصوات التي تعيد للقلوب هدوءها وللأرواح طهرها. ومع كل آذان مغرب، يبقى صوت "أبو الوفا" حاضراً، يطمئن الصائمين بأن آيات الله باقية، وأن مدرسة التلاوة المصرية ستظل شامخة بفضل عطاء أبنائها المخلصين.
شهر رمضان في مصر ليس مجرد فترة صيام، بل هو رحلة روحانية تتجسد فيها الطقوس المتجددة، ومن أبرزها استماع المصريين لتلاوات قرآن مشايخهم المفضّلين، مع دقات أذان المغرب، تملأ أجواء المنازل والشوارع أصوات القراء الكبار ليصبحوا جزءًا من الروح الرمضانية، هذه الأصوات العذبة التي تلامس القلوب قبل الفطور، أصبحت جزءًا من هوية الشهر الكريم، حيث تمزج بين الهدوء والسكينة، وتعيد للأذهان ذكرى إيمانية طيبة تمس الأعماق، فتجعل كل لحظة من رمضان أكثر تقديسًا.