د. نظير عياد

القرآن وبناء الوعى الإنسانى

الجمعة، 20 فبراير 2026 06:20 م


لم يُرِد الله من إنزال كتابه الكريم أن يكون مجرد نصوص تُتلى فحسب، أو آيات تُستحضر فى المناسبات أو تُزيَّن بها المحاريب و مكتبات البيوت، وإنما أنزله سبحانه ليحدث تحوُّلًا عميقًا فى وعى الإنسان بنفسه وبالحياة والكون، وليعيد تشكيل نظرة الناس إلى أنفسهم ويرتِّب علاقتهم بخالقهم وبالعالم من حولهم، فالقرآن فى جوهره مشروع بناء للإنسان، يحرره من الجهل والخوف، ويقيم داخله ميزانًا أخلاقيًّا وفكريًّا يجعله قادرًا على التمييز بين الحق والباطل. إنه دعوة للتفكر العميق فى ذاته وبيئته، فينظر إلى الحياة بعين واعية، وبذلك تتحول المظاهر إلى معانٍ، ويغدو الوجود فى مُجمله رسالة، لقد نزل القرآن فى بيئة غلبت عليها العصبية والظلم والصراعات، فحوَّل مجتمعًا مشتتًا إلى أمَّة تحمل رسالة حضارية إلى العالم، على أنَّ هذا التحول لم يكن قائمًا على القوة المادية وحدها، بل على بناء الوعي؛ إذ خاطب القرآن العقل والوجدان معًا، وأيقظ فى الإنسان مَلَكة التفكير والتدبر، فقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82]، فى تأكيد على أنَّ الإيمان ليس تقليدًا أعمى، بل وعى قائم على التفكر والفهم، فالقرآن يفتح أمام الإنسان آفاقًا لا حدود لها، ويعلمه كيف يربط بين معطيات الواقع ومبادئ الحق، ليغدو نظره إلى الحياة نظرًا فاحصًا ناقدًا، لا تلقيًا سلبيًّا، ويصبح مفكِّرًا واعيًا، لا تابعًا مقلِّدًا، والوعى الذى يبنيه القرآن يبدأ أوَّلًا بتصحيح نظرة الإنسان إلى ذاته؛ فهو ليس كائنًا تائهًا فى هذا الوجود، بل مخلوقٌ مكرَّم، حمَّله الله أمانة الاستخلاف فى الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]. وذلك الاستخلاف اقتضى تكريم الإنسان، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، وحين يدرك الإنسان هذه الكرامة، يرفض الظلم والمهانة، ويصبح أكثر مسؤولية تجاه نفسه وتجاه غيره، لأن وجوده فى الحياة ليس عبثًا، بل رسالة وعمل وإعمار، فالكرامة الإنسانية ليست شعورًا عابرًا، بل قاعدة لبناء مجتمع متوازن، يتعايش فيه الفرد مع الآخرين فى احترام ووعى، ولا ينقاد لشهواته أو الأهواء العابرة.


كما يعيد القرآن ترتيب علاقة الإنسان بالزمن والحياة؛ فلا يجعل الدنيا غاية نهائية، ولا يدعو إلى تركها، بل يربط العمل فيها بالقيم والأخلاق، حتى لا تتحول القوة إلى ظلم، ولا الثروة إلى طغيان، فهو يصنع وعيًا يوازن بين الروح والمادة، بين السعى فى الأرض والتعلق بالله، فينشأ إنسان يعمل بجِد، لكنه لا ينسى غاية وجوده، ويعيش حياته مستنيرًا بمعايير الحق، مدركًا أن كل عمل له أثر، وأن كل اختيار يحمل قيمة أخلاقية، ومن أعظم ما يبنيه القرآن فى الوعى الإنسانى تحرير الإنسان من الخوف إلا من الله، ومن العبودية إلا له؛ فالقرآن يعلِّم الإنسان أن الكرامة الحقيقية فى التعلق بالخالق وحده، وأن الاستقامة الداخلية هى مصدر الطمأنينة، كما قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. وحين يطمئن القلب، يهدأ السلوك، ويصبح الإنسان أكثر اتزانًا فى مواجهة أزمات الحياة وتقلباتها. فالوعى القرآنى يخلق حالة من السلام الداخلي، تجعل الإنسان يقف على قدميه ثابتًا فى خِضَمِّ التحديات، متسلحًا بالقيم والمعرفة.


وقد جسَّد النبى صلى الله عليه وسلم هذا البناء القرآنى فى حياته وسلوكه، حتى قالت السيدة عائشة رضى الله عنها: «كان خُلُقُه القرآن»؛ أى أن تعاليم القرآن تحولت فى شخصه إلى واقع حيٍّ يمشى بين الناس، وهكذا يكون القرآن حين يتحول من نص محفوظ إلى انتباه واعٍ، وواقع معيش فيه، يغيِّر الأخلاق، ويهذِّب السلوك، ويصنع إنسانًا رحيمًا عادلًا متزنًا، إنه القرآن الذى يربط المعرفة بالعمل، والفهم بالخلق، ويعلم أن الوعى الحقيقى لا ينفصل عن الممارسة.


وفى زمن تتزاحم فيه الأفكار، وتتشابك فيه القيم، ويعيش الإنسان حيرة بين تيارات متناقضة، تبرز الحاجة الملحة إلى العودة إلى القرآن بوصفه مصدرًا لبناء وعى راسخ لا يتزعزع أمام الفتن الفكرية أو الضغوط المادية، فالقرآن يعلِّم الإنسان كيف يزن الأمور بميزان الحق، لا بميزان المصلحة العابرة، وكيف يقدِّم الخير العام على الأنانية، ويجعل الرحمة أساس العلاقة بين البشر، إنه الكتاب الذى يوقظ الضمير، ويهذب العاطفة، ويضيء العقل فى آنٍ واحد، ليصبح الإنسان واعيًا بمسؤولياته تجاه نفسه وأُسرته ومجتمعه.


إن قراءة القرآن فى رمضان ينبغى ألا تُبنى على الكم، بل يجب أن تكون قراءة وعيٍ وتدبرٍ وتطبيق، لأن الغاية الكبرى من نزوله هى بناء الإنسان من الداخل، وتكوين عقل مستنير وقلب حيٍّ وسلوك مستقيم. فإذا تحقَّق هذا البناء، أصبح الإنسان عنصر خير فى أسرته ومجتمعه، وساهم فى نشر قيم الرحمة والعدل والسلام، ويكون بذلك رمضان فرصة سنوية لتجديد الوعى، وتهيئة النفس لاستقبال الحياة بروح جديدة، وعقل متنور، وقلب متفتح على الخير.


وهكذا يظل القرآن كتابًا مفتوحًا لبناء الوعى الإنسانى عبر العصور، يخرج به الإنسان من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة، ومن ضيق الأنانية إلى سَعة الرحمة، ليعيش فى الدنيا إنسانًا صالحًا، ويُقبل على الآخرة بقلب سليم وعمل صالح، فالقرآن ليس فقط كتابًا للتلاوة، بل مدرسة حياة، ومشروع فكر مستمر، وسبيلٌ لتهذيب الروح والفكر، وصناعة الإنسان الكامل، القادر على إدراك معانى وجوده وتحقيق رسالته فى هذه الحياة الدنيا.
وللحديث بقية...




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة