سامح خضر

مستقبل السلطة الفلسطينية الذي يجب أن نخشاه جميعاً

الإثنين، 02 فبراير 2026 10:38 ص


يبدو أن جهود الإدارة الأمريكية لن تتوقف عند غزة، بل تمضي نحو استنساخ نموذج لجنة التكنوقراط التي جرى تشكيلها مؤخراً؛ لتكون بديلاً وظيفياً للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. المطلعون على مشروع بنيامين نتنياهو السياسي تجاه الفضية الفلسطينية، يدركون جيداً أنه يقوم على إفراغ العملية السياسية من جوهرها، وفرض أمر واقع أمني على مبدأ السلام الاقتصادي، مستبدلاً مبدأ الأرض مقابل السلام بشعارات اقتصادية تسلب الحلول السياسية – المجمدة أصلاً- فاعليتها، وذلك بغية تقويض فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

في التقرير الذي تناوله معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى حول مستقبل السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية والذي أحاله إلى صحيفة غربية مطلعة دون أن يسمها، بدا وكأنه ورقة جس نبض إقليمية، تهدف إلى اختبار مدى قبول إنشاء لجنة "تكنوقراط" لإدارة الضفة الغربية كتلك المشكلة حديثاً في قطاع غزة، ويحاول التقرير الترويج لهذا البديل عبر الإشارة إلى عبقرية فكرة تأسيس لجنة غزة و"النجاحات" التي حققتها. ذلك رغم أن لجنة غزة لم تبدأ عملها رسمياً.  بالإضافة إلى الغمز من قناة تحول السلطة الفلسطينية إلى عبء إداري ومالي على الدول المانحة، نتيجة لما أسموه الفساد المزمن في مؤسسات السلطة الوطنية وأجهزتها التنفيذية. إذ يشير التقرير إلى خمس ركائز أساسية في تقييم أداء السلطة الفلسطينية للتشكيك في جدوى وجودها ككيان سياسي قادر على حيازة ثقة الفلسطينيين؛ فبرغم استمرار التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية، يخلص التقييم إلى نظرة سلبية ترى أن السلطة الفلسطينية تحولت من شريك سياسي إلى عبء إداري يدير الشؤون الإدارية والأمنية بفاعلية متناقصة. وأن شعبية السلطة في الضفة الغربية قد تآكلت بفعل غياب المساءلة والمحاسبة النزيهة والترهل المؤسسي. 

يتماهى التقرير في جوهره مع توجهات إدارة الرئيس ترامب الذي يفضل العمل مع كيانات ناجحة وظيفياً بدلاً من المؤسسات التقليدية؛ الأمر الذي يتجلى بوضوح في نظرته السلبية تجاه المؤسسات الأمريكية والدولية مثل الأمم المتحدة التي انسحبت الولايات المتحدة في عهده من أكثر من 68 مؤسسة تابعة لها. فالرجل القادم من عالم الصفقات العقارية والتجارية يفضل التعامل مع لجان موجهة بالنتائج لا بالكيانات المؤسسية التي تعاني من الترهل وضعف الإنتاجية. وهذه توجه من الناحية التجارية وعالم الأعمال قد يكون صائباً، وقد يكون هذا التوجه صائباً في عالم المال والأعمال، لكنه في الحالة الفلسطينية يصطدم بواقع يتجاوز قدرة الهياكل المهنية على تحقيق مؤشرات الأداء الخاصة بها؛ فالمسألة لا تقف عند حدود توفير الخدمات أو تحقيق نمو اقتصادي، بل يكمن جوهرها في أن تردي مستوى المعيشة والترهل المؤسسي هما نتاج مباشر للاحتلال الإسرائيلي الممتد منذ عقود، ولوجود حكومة يمينية متطرفة لا تؤمن بالحل السلمي، بل تسعى للتهجير والاستيطان وفق رؤية مسيانية لا ترى في الآخر سوى عدو.

يبرز السؤال الأهم في هذه المرحلة حول ما يتوجب على منظمة التحرير الفلسطينية فعله لتثبيت شرعيتها ككيان سياسي وتجاوز الرهان على الفجوة بينها وبين قاعدتها الشعبية. إن الاستجابة لهذا التحدي تقتضي اتخاذ سلسلة من الإجراءات تتجاوز في جوهرها مجرد "رد الفعل" الدفاعي على مثل هذه الإدعاءات، وذلك عبر تجديد شرعيتها من خلال الانتخابات التي تعد حائط الصد الأول ضد محاولات التهميش. إذ من شأن ضخ دماء شابة ونخب جديدة تحظى بثقة واحترام الشارع أن تكسب المنظمة زخماً يردم الهوة مع الشعب، ويكسر صورة النخب المغلقة على نفسها أمام الرأي العام الدولي. كما يستوجب الأمر إغلاق ملف الانقسام ودمج كافة أطياف العمل السياسي الفلسطيني تحت مظلة المنظمة، على ألا يقتصر هذا الدمج على الأحزاب السياسية التي بحاجة هي الأخرى إلى إصلاح وتجديد، بل يمتد ليشمل مؤسسات المجتمع المدني ضمن أطرها؛ استثماراً لما تحظى به هذه المؤسسات من احترام وقبول دولي واسع.

ثمة حاجة ملحة لإعادة صياغة الخطاب الإعلامي للمؤسسات الرسمية الفلسطينية وتطوير أدواته الموجهة للداخل الفلسطيني وللمجتمع الدولي على حد سواء. فلا يصح أن يستمر غياب المتحدث الرسمي بوزنه وتأثيره، والغياب هنا ليس الانقطاع المادي، بل غياب الخطاب المقنع والمفردات القادرة على استمالة شارع انفصل وجدانياً عن الخطاب الرسمي وبات عرضة لخطابات معادية تهدف إلى استلاب وعيه والتشكيك في مؤسساته الوطنية. لقد نشأ جيل فلسطيني يحتاج لآلية تعبئة وتوعية معاصرة؛ إذ لا يمكن مخاطبة جيل وسائل التواصل الاجتماعي وعصر الرقمنة بمفردات الحرب الباردة وبيانات تشبه بيانات الكتلة الشرقية. الغرب أيضاً تغيّر، ولم تعد لغة البيانات الحزبية قادرة على التأثير في الرأي العام العالمي. لذا، يتوجب على المنظمة إعداد وتأهيل متحدثين شباب بمهارات لغوية استثنائية؛ قادرين على مخاطبة الجيل زد والجيل ألفا بلغتهم ومفرداتهم، فهم المحركون الحقيقيون للشارع، والعمود الفقري لحملات المقاطعة والوعي الدولي الجديد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة