- التكنولوجيا تساعد الزوار على تخيل المعابد والمقابر فى صورتها الأصلية
فى الجزء الثانى من حوارنا مع هيلين غيتشارد، مديرة قسم الآثار المصرية فى متحف اللوفر، نواصل ما بدأناه فى الجزء الأول من الحوار المنشور فى 16 يناير، بكشف كواليس التعاون العلمى والثقافى بين مصر وفرنسا، ودور أحد أهم متاحف العالم فى البحث الأثرى، والحفظ، وإعادة قراءة الحضارة المصرية القديمة أمام جمهور عالمى متزايد الوعى.
ويتناول هذا الحوار أبعاد العلاقات الثقافية الممتدة بين البلدين، ومشاريع اللوفر البحثية والحفائر الجارية فى مصر، ورؤية المتحف المصرى الكبير، ودور التكنولوجيا فى تطوير تجربة الزائر، وصولا إلى التحولات فى نظرة العالم للحضارة المصرية، والرسائل الإنسانية والعاطفية التى تربط علماء المصريات بتراث مصر الخالد.
حوار يكشف ليس فقط عن مشروعات ومؤسسات، بل عن شغف شخصى، ومسؤولية علمية، واحترام عميق لحضارة لا تزال تلهم العالم، فإلى نص الحوار:
كيف تقيمين العلاقات الثقافية الحالية بين مصر وفرنسا، وكيف يمكن تطويرها؟
هى علاقات عميقة وطويلة الأمد منذ أيام شامبليون ومحمد على باشا، قائمة على التزام مشترك بالبحث العلمى، والتعليم، والحفاظ على التراث، وهى متجذرة فى تبادل أكاديمى مستمر، خاص بمجالات الآثار وعلم المصريات، والمتاحف، والحفظ، وتمتد اليوم عبر البعثات المشتركة، وبرامج التدريب، والتعاون الأكاديمى.
وعلى سبيل المثال، يستضيف اللوفر حاليا طالبين مصريين فى الدكتوراه يعملان على مجموعاته، كما سيشارك عام 2026 الدكتور أحمد غنيم الرئيس التنفيذى لهيئة المتحف المصرى الكبير، والدكتورة جيهان زكى عالمة المصريات، بعرض خبراتهما وأبحاثهما أمام الجمهور، ما يعكس استمرار التعاون العلمى والثقافى.
ومن خلال الاستثمار فى التعليم والتعاون المستمر، يمكن لمصر وفرنسا تعزيز هذه العلاقة لتصبح أكثر قوة، ليستفيد منها المؤسسات والمهنيون، والجمهور فى كلا البلدين.
كيف تصفين مستوى التعاون الحالى بين اللوفر ووزارة السياحة والآثار المصرية؟
التعاون بين قسم الآثار المصرية فى اللوفر والحكومة المصرية كان دائما قويا ومنظما، ومبنيا على الثقة المتبادلة وطويلة الأمد، ويشمل التعاون بعثات أثرية مشتركة، برامج تدريب مهنى، تطوير المخطط الرئيسى، وإعادة عرض غرف تانيس فى متحف مصر بالقاهرة، إلى جانب تبادلات منتظمة بين الخبراء.
مؤخرا شهدت العلاقات بعض التباطؤ، خاصة فيما يتعلق بالعمل فى سيرابيوم ممفيس لإنقاذه من الانهيار، ومع ذلك هناك ثقة بأن التعاون سيعود قريبا إلى أفضل مستوياته، لأن هناك أهدافا مشتركة وضرورة لعلاقات محترمة وديناميكية، مع التأكيد على أهمية احترام الدور المركزى لمصر فى رعاية تراثها.
كيف يشارك اللوفر فى البعثات الأثرية فى مصر؟ وهل هناك بعثات جارية حاليا؟
متحف اللوفر له تاريخ طويل فى الحفريات الأثرية، ليس فى مصر فقط، بل فى العديد من الدول، وفى مصر بدأ هذا التقليد منتصف القرن التاسع عشر مع أوغست مارييت الذى اكتشف سيرابيوم ممفيس قبل تأسيس إدارة الآثار المصرية، المعروفة اليوم بالمجلس الأعلى للآثار، ثم متحف القاهرة.
وفى سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، عمل اللوفر فى صعيد مصر تحت قيادة كريستيان دى روش-نوبلكور، فى تود ووادى الملكات، ثم بدأ مع كريستيان زيغلر مشروعا طويلا فى سقارة بمقابر الدولة القديمة.
اليوم، تواصل البعثة الأثرية الفرنسية - المصرية للوفر فى سيرابيوم ممفيس بسقارة نشاطها منذ 2020، ومن المتوقع استئناف العمل الميدانى قريبا بعد توقف لبضع سنوات، خصوصا تعزيز الأقواس الثانوية لسيرابيوم أبوس ثيران الأبيس المنهارة والتى تمنع الحفريات، ويتوقع أن تستغرق أعمال التنقيب نفسها نحو عشر سنوات بعد الانتهاء من أعمال التعزيز.
ما أحدث الاكتشافات أو المشاريع البحثية التى يقوم بها القسم حاليا؟
فى سقارة، ركزت الحفريات على مصطبة أخيتوتب شمال جسر أوناس، ورغم أن اللوفر اشترى مصلى المصطبة فى بداية القرن العشرين ويعرض حتى اليوم، فقد ظل موقع المصطبة نفسه مفقودا، حتى أتاحت الحفريات الأخيرة دراسة جزء كبير من المنطقة وتوفير سياق أثرى كامل لكنيسة أخيتوتب، وتوقفت الحفريات هنا عام 2017، والآن يتركز العمل على سيرابيوم ممفيس لإنقاذه من الانهيار وكشف ثروته الأثرية.
ويركز القسم على مشاريع بحثية فى مجموعات المتحف، منها: دراسة التوابيت الصفراء من الفترة المتوسطة الثالثة بالتعاون مع متاحف الفاتيكان، تورينو ولايدن، وأبحاث برنامج جيتى حول صور الفيوم، وفهرسة مجموعات السيرابيوم، الستيلات، الأثاث المنزلى، ومجموعات دير المدينة، ودراسة البرديات الهيراطيقية، البرونز من الفترة المتأخرة، والمومياوات البشرية باستخدام الأشعة المقطعية، وتحليل البقايا النباتية وتاريخ علم المصريات والعديد من الموضوعات الأخرى.
بهذا الجمع بين الحفريات الميدانية والبحوث المتحفية، يسعى القسم إلى توسيع المعرفة وفهم الحضارة المصرية القديمة بشكل شامل ودقيق.
ما وجهة نظرك حول مشروع المتحف المصرى الكبير، وما هى المجموعات التى تتوق لرؤيتها هناك؟
مشروع المتحف المصرى الكبير استثنائى وطال انتظاره، فهو يمثل علامة فارقة لمصر ولمجتمع التراث العالمى، ليس فقط بحجمه وشكله المعمارى، بل أيضا لقربه من أهرامات الجيزة، ما يجعله معلما ثقافيا فريدا.
وبعيدا عن كونه متحفا، يمتلك المشروع القدرة على أن يصبح مركزا عالميا للبحث والحفظ والحوار حول الحضارات القديمة.
بعد معرفتى بمجموعات المتحف المصرى بميدان التحرير، أصبح فضولى شديدا لاكتشاف العديد من القطع التى بقيت مخزنة لفترة طويلة ويجرى الآن عرضها فى المتحف.
وأنا متحمسة بشكل خاص لرؤية تماثيل المملكة القديمة والأعمال الضخمة الأخرى التى ستستفيد من مساحات المتحف الواسعة وأضوائه الطبيعية، كما تثير اهتمامى مختبرات الحفظ والتحليل والعمل خلف الكواليس، إذ تعكس التزام مصر بحماية تراثها ونقله للأجيال القادمة.
هل هناك مشاريع مشتركة مستقبلية مع الجانب المصرى؟
لدينا حاليا روابط مباشرة مع المتحف المصرى بالقاهرة، وجامعات عين شمس وغيرها، وفى المستقبل نخطط لتعزيز هذه الروابط وتوسيعها لتشمل متاحف مصرية أخرى وجامعات مهتمة بالتعاون العلمى والبحثى، بما يسهم فى تبادل الخبرات وبناء مشاريع مشتركة مستدامة.
كيف يمكن للتكنولوجيا والتجارب التفاعلية أن تعزز فهم الزوار للآثار المصرية؟
التركيز فى المتحف الكبير على وسائل الشرح والتفسير الواضحة والمفصلة يبدو ملموسا، والتكنولوجيا والتجارب التفاعلية يمكن أن تعمق الفهم من خلال إضافة السياق والسرد وطبقات التفسير غير المرئية دائما فى القطع نفسها.
وعلى سبيل المثال، تساعد إعادة الإعمار الرقمى الزوار على تصور شكل المعابد والمقابر والتماثيل فى الأصل، مع استعادة الألوان والوظائف والبيئات المفقودة عبر الزمن، كما تتيح الأدوات التفاعلية مثل الواقع المعزز، العروض متعددة الوسائط، والتجارب اللمسية أو الغامرة، تبسيط المفاهيم التاريخية والدينية المعقدة لجمهور واسع، دون أن تحل محل اللقاء المباشر مع القطع الأصلية.
فعند الاستخدام المدروس، لا تشتت التكنولوجيا الانتباه عن القطع، بل توجهه وتعمق الاتصال العاطفى والفكرى مع الآثار.
هل تغيرت النظرة العالمية للحضارة المصرية القديمة خلال السنوات الأخيرة؟
نعم، إلى حد ما، فقد تطور التصور العالمى للحضارة المصرية القديمة بين الزوار مؤخرا، وما زال الإعجاب بآثارها وروائعها قويا، لكن هناك اهتمام متزايد بفهم مصر القديمة خارج صورة الحضارة البعيدة والخالدة، مع التركيز على السياق الدينى والاجتماعى والتقنى والتاريخى، والحياة اليومية، ومفهوم الموت، والخصائص الثقافية المتنوعة.
فى الوقت نفسه، أصبح هناك وعى أكبر بكيفية عرض وتفسير التراث المصرى فى المتاحف خارج مصر، ما دفع المؤسسات إلى التفكير نقديا فى السرديات والأصول، ورغم أن هذه التحولات تدريجية وغير متساوية، إلا أنها تشير إلى جمهور أكثر وعيا وتفاعلا، يهتم ليس فقط بالعظمة التاريخية لمصر القديمة، بل أيضا بتعقيدها وأهميتها المستمرة اليوم، وهذا يتطلب من المتاحف تحديث طرق العرض وأنظمة الوساطة لتقديم أكبر قدر ممكن من المعلومات للزوار، فالآثار المصرية أكثر من مجرد معلم سياحى أو مورد اقتصادى، إنها أساس للذاكرة التاريخية، والهوية الثقافية، والاستمرارية الفكرية.
ما الرسالة التى تحبين توجيهها للشعب المصرى حول تراثهم وآثارهم العريقة؟
أود أن أعبر عن احترامى العميق وتعلقى بالثراء والعمق الفريد للتراث المصرى القديم، الذى يجب أن يُحب ويُشارك مع البشرية كلها، فالتراث المصرى إرث لا يمكن استبداله، ويستحق أن يدرس ويفهم ويحفظ فوق كل شىء، لينتقل ماديا وفكريا إلى الأجيال القادمة.
وفى ختام كلامى، أستحضر كلمات شامبليون، الرجل الذى أعاد صوت الفراعنة لمصر من خلال فك رموز الهيروغليفية: «أنا مع مصر تماما، مصر هى كل شىء بالنسبة لى»!، وهل يمكن للمرء أن يتخيل إعلانا أجمل عن الحب للتراث والوطن؟
ما أول قطعة أثرية مصرية أثرت أو ألهمتك شخصيا؟
بعد ما يقرب من 50 عاما، ما زلت أتذكر ما شعرت به عندما رأيت تمثال «الكاتب الجالس»، وجها لوجه، فى سن السابعة أثناء زيارة مدرسية لمتحف اللوفر، ومنذ تلك اللحظة، حلمت سرا بأن أصبح عالمة آثار، وتأكد شغفى عندما تضمنت برامج المرحلة المتوسطة تاريخ مصر القديمة.
وخلال دراستى وتدريبى، تمكنت من التأمل فى الأعمال والأشياء المصرية، وكلها ملأتنى بالعاطفة والإعجاب والرغبة فى التعلم أكثر، وأفكر على سبيل المثال، فى كتاب الموتى من حنيفر والمومياء ما قبل السلالة فى المتحف البريطانى، وأثاث دير المدينة المنزلى فى اللوفر، ومعدات الجنازة لخا وميريت فى تورينو، ورأس العمارنة من اليشب الأصفر فى متحف المتروبوليتان فى نيويورك، ورأس الملكة تييى الخشبى الصغير فى برلين.
وعندما تمكنت أخيرا من زيارة مصر، أعجبت كثيرا وأحببت القناع الجنائزى لبسوسينس فى متحف القاهرة، وتمثال تحتمس الثالث فى متحف الأقصر، ومؤخرا تركت زيارتى وتكريمى لمومياوات الفراعنة المصرية فى NEMEC أثرا مؤثرا ودائما.