النص سابق على التقعيد. تقول القاعدة اللغوية المُطّردة، ومعناها أن القواعد كاشفة لا مُنشئة، وصفية لا معيارية. تأخذ من الألسنة لتصك القوانين، وأداتها الاستقراء والاستنباط، وليس بمقدورها المصادرة على حيوية التداول، وإن تعارض الأمران فالحجيّة للأقدم؛ لأن التقعيد للفهم لا التقييد، والقواعد تنوب عن الشواهد، وليست حَكَمًا عليها ولا بديلاً بالأصالة.
ومن اللغويات للسياسة والاجتماع، يبقى الواقع سابقا دوما على التشريع. وكل حادثة تستدعى ما يكافئها من إجراءات، وإن قصّر القائم عن استيعاب المُستَجَد؛ يُسار اضطرارا للمراجعة والتقويم وإعادة تكييف الأُطر الناظمة؛ لاستعادة الضبط والإحكام.
وما يصح فى وصف الدخول إلى القوننة ونمذجة العلائق الطارئة، قد يتكرّر فى الخروج على سابقتها، وكسر الثابت منها والمُستقر.
غادر الإنسان بدائيته عن حاجة للتنظيم، وتمادى فيه لذُروته، ومن فَرط النظام قد تطرأ الفوضى أحيانًا. غاية القانون أن يُنظِّم التوازنات؛ ليحفظ حقَّ القوى، ويحمى الضعيف من فائض قوَّته. وإن اختلَّت المُعادلة، قد لا تعود الصيغة مُرضيةً للطرفين معًا.
وإذ يسعى أحدهما للتمدد وتوسيع مجال حركته، يَجِدُّ الآخر فى الدفع عكسيًّا. وكلما استُجدّت قاعدة؛ تستدعى مقاومتها بالتزامن. فإن انتصر قانون نيوتن الأول تثبُت مرحليًّا؛ وإلّا فالتغيُّر واقفٌ بالباب، وهو آتٍ آتٍ فى كل الأحوال.
كانت اتفاقية ويستفاليا فى 1648 قطيعة مع سلطة الاعتقاد على الجغرافيا. تبلورت الدول الوطنية وازدهرت؛ ليتأتّى الصدام من الازدهار، مشمولاً بالحاجة إلى تنميطٍ جديد. وبدت عصبة الأُمم فى 1920 تظهيرًا لخُلاصات الحرب العالمية الأُولى؛ فقادت إلى الثانية، وسلّمت رايتها إلى الأمم المتحدة بعد أقل من ثلاثة عقود.
اليوم، يتداعى النظام الدولى متعدد الأطراف بقواعده. ربما لأنه استنفد أغراضه، أو لأن الفاعلين فيه لم يعودوا قانعين بأدوارهم، وبالتوازنات المُختلّة داخله مع المُنافسين.
ذلك ما عبَّر عنه رئيس الوزراء الكندى بوضوح فى مؤتمر دافوس الاقتصادى. ويؤكّده الأوروبيون فى مواقفهم وأحاديثهم بدبلوماسية أعلى؛ وإن كانوا مُصرّين على التشبُّث بالأهداب المُتحلّلة.
الطعنة الأولى جاءت من الضامن الأكبر، الولايات المتحدة. قالها نائب رئيسها، جى دى فانس، بفجاجة فى مؤتمر ميونيخ للأمن 2025، وأعاد وزير خارجيته روبيو صياغتها فى نسخته الأخيرة قبل أيام، مُبرزًا الشراكة الحضارية مع القارة العجوز، بدلاً من التناقض وتعارض الخيارات؛ إنما النتيجة واحدة.
مجلس السلام المُجتَمِع اليوم فى واشنطن، محاولة ترامب لتحريك الأمور عن مواضعها. لم تتولّد الإشارات الآن، ولا كانت بشائرها غائبة عن ولايته الأولى. شعار «أمريكا أولاً» معناه الانقلاب على تركيبة كانت تقودها، ومسؤولةً عن استقرارها أيضًا.
الانعزالية التى يطرحها لها معنى حِمائىّ ووصائى، لا انسحابى، وخلاصتها إدارة الأزمات بحسبة الجدوى، وتثبيت يدها العُليا دائمًا.
اختُرع المجلس بعد خلافات حادة فى طرائق إنهاء حرب غزة. التحق به العربُ عن رغبة فى الإنقاذ، ويُحايث أغلب الغرب فى أماكنه؛ غير أنه مُقبل لا مُدبر.
إيطاليا ستحضر مُراقبًا، والاتحاد الأوروبى يُشارك دون انضمام. الجميع متحفّظون على منازعة الأُمم المتحدة؛ لكنهم ساعون لإسكات الصراعات، فى الشرق، أو فى أوكرانيا التى تدخل الحرب فيها عامها الخامس وشيكًا.
السودان سبق طوفان الأقصى بأشهر، وما يزالُ مُشتعلاً. الكونغو وروندا، كمبوديا وتايلاند، وأزمات أخرى يتمنّى الكُلّ لو حلّها المجلسُ، من دون الجَور على النظام القديم، لا لأنه مثالى؛ إنما لأنه لا بديلَ مُقنعًا وموضوعيًّا عنه حتى الآن.
فى مناخ كهذا، تبدو المسارات اضطرارية، والحلول مُجزّأة وغير مضمونة. يربح الأشرار مثل نتنياهو فى أجواء الغموض، ويعرف المنافسون كيف يصونون مصالحهم، بينما يدفع الآخرون من خارج الفريقين كامل التكلفة.
تقعيد جديد؛ لكنّ نصّه قديم. ترامب كاشف لا مُنشئ كما القواعد، والدولة العميقة هناك صاحبة القرار، وكما استحدثت النظام الدولى، فإنها تُطلق عليه رصاصة الرحمة.