أكرم القصاص

فى رمضان.. قرآن وتواشيح مسحراتى ومسلسلات.. فوازير وحاجات كتير!

الخميس، 19 فبراير 2026 10:00 ص


كل جيل لديه كم هائل من الذكريات عن رمضان، وأحيانا يكتشف سكان الجيل الأقدم، أن هناك ذكريات لأجيال سابقة فى الثمانينيات والتسعينيات تختلف عما كان قبلها، لكن اللافت بالفعل أن رؤية الهلال كانت استقرت إلى حد البناء على الحسابات الفلكية التى تبدو أكثر دقة من العين المجردة، خاصة مع صعوبة رؤية السماء، أو تطور التكنولوجيا بشكل يجعل الأمر دقيقا بنسبة ضخمة، ثم إنه تم اتخاذ قاعدة سابق، أن اتفاق دولة مع أخرى فى جزء من الليل يجعلهما ضمن إطار واحد، لكن حتى رؤية الهلال تظل من بين الطقوس المستمرة عبر أجيال، ومعها سيل من الذكريات تتقاطع وتصنع لدى كل جيل ذكرياته الخاصة، والتى تختلف بمرور الزمن، ولا يلاحظها السابقون، وإنما تصنع لدى كل جيل صورها.
رمضان هو حزم من الطقوس، تمتد عبر الزمن، وتفرض نفسها، وتتحول إلى صور مطبوعة فى الذاكرة، أو لنقل فيلما طويلا يسترجعه العقل فى كل مرة، وهى ما تسمى نظرية بافلوف فى «الفعل المنعكس الشَّرطى»، حيث الأصوات والمواقف تستدعى شريطا من مشاهد متنوعة، لدرجة أننا عندما نستمع إلى صوت الشيخ محمد رفعت فى أى شهر من العام، نستعيد رائحة وطعم رمضان، ونفس الأمر فى ما يتعلق بأصوات القراء، والتواشيح، النقشبندى أو نصر الدين طوبار، البنا وعبدالباسط والصياد، وغيرهم، لكل منهم فنه وألحانه وموسيقاه، وهنا نحن نتحدث عن فنون مختلفة، تفرض نفسها على الآذان المصرية، بصرف النظر عن العقيدة، والأمر ذاته فى ما يتعلق بأصوات أو أعمال فنية درامية ارتبطت لدى جيل كامل بالإذاعة، ما قبل التليفزيون، وحتى مع ظهور التليفزيون بقى الإرسال لساعتين فى اليوم على كل قناة، لكن ما إن ظهرت الشاشات حتى عرف المصريون أنواعا من الدراما والأعمال التى تفرض نفسها، وحفظوا أسماء المؤلفين والممثلين النجوم.

فى عصر الإذاعة ظلت الأصوات هى البطل، الفوازير وألف ليلة وليلة، ومع التليفزيون كان صوت ولحن سيد مكاوى وكلمات فؤاد حداد، فى المسحراتى، تحمل معها لأجيال عاصرته روائح رمضان خبيزا وطبيخا وسحورا، مثلما عرفت أجيال تالية الفوازير، التى كانت تمثل مرحلة، انتهت وعندما حاول آخرون إعادتها لم ينجحوا، فقد كانت مراحل، وحتى دراما أسامة أنور عكاشة ووحيد حامد، وصالح مرسى «رأفت الهجان»، تمثل مراحل أخرى، لا يمكن استعادتها، فقط هى علامات لمرحلة، وذكريات تمنح الأجيال مساحات للتذكر، لكن لا يمكن إعادتها، فقد رحلت، لأن لكل جيل ذكرياته، ولكل مرحلة عروضها.

ارتبطت الأعمال الكبيرة فى تاريخ الدراما بشهر رمضان، ومنها أعمال مثل «الشهد والدموع»، و«ليالى الحلمية» و«الراية البيضا» و«أبوالعلا البشرى»، وغيرها من أعمال أسامة أنور عكاشة، ومثلها كانت أعمال مثل «رأفت الهجان»، وأعمال وحيد حامد، ومحفوظ عبدالرحمن، ومحمد صفاء عامر، ومحمد جلال عبدالقوى، وما تسمى «الرواية التليفزيونية»، التى تنبأ بها نجيب محفوظ فى نهاية السبعينيات، وهو نفسه اعترف بأن السينما منحت أعماله انتشارا إضافيا، وأخرجتها إلى ملايين لم يكونوا قادرين على القراءة، بقيت الرواية والقصة المكتوبة، بينما اتجهت الدراما التليفزيونية إلى مسارات جديدة، بل إن الدراما تمثل نوعا قديما فى مواجهة المنصات والأشكال الجديدة من الدراما التى تقدمها «المتحدة»، أو شركات الإنتاج، وتتضمن كتابات ورش وليس أفراد، وتحاول التجديد أو النسخ من أشكال غربية.

والواقع أنه خلال مراحل الدراما والأصوات فى رمضان، حاولت بعض الجماعات رفض هذا، وقيادة الأمر إلى عالم من الطقوس الدينية المرهقة، لكنهم قضوا فترة، ولم ينجحوا، لأنهم على عكس الفطرة، فالإنسان كائن متعدد، ومتنوع فى آرائه ومزاجه وتفاصيله وإيمانه وثقافته، لا يمكن صب الجميع فى قالب واحد، هناك جسد وقلب وروح، وكل محاولة لتحويله إلى طريق واحد محكوم عليها بالفشل، فالإنسان خليط من الغرائز والحاجات الروحية والمادية لا يمكن أن يختصر فى اتجاه واحد، بل حتى الدراما الحالية تحاول شق طرق جديدة، تمثل امتدادا للسابق، ومحاولة لمجاراة العصر، أحيانا تنجح، وأخرى تبقى مجرد موسم وينتهى، هناك نوع قليل جدا يبقى أثره، وأغلبية تُنسى مع الموسم، وتختفى ولا تترك أثرا، وفى  كل مرحلة تبقى ذكريات رمضان مزيجا من الأصوات والروائح، ومزيجا من الغرائز والمعتقدات والطقوس.

p
 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة