مها عبد القادر

استقبال شهر رمضان.. تأملات في التجديد الإيماني والاجتماعي

الخميس، 19 فبراير 2026 01:49 ص


كل عام وأنتم إلى الله أقرب، وعلى الطاعة أدوم، وبالخير أنعم، أهنئكم بحلول شهر رمضان المبارك، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، سائلة الله أن يجعله شهر سكينة لقلوبكم، ونورًا لدروبكم، وتوفيقًا في أعمالكم، وأن يكتب لكم فيه القبول والرضا، ويبارك لكم في أوقاتكم وأعمالكم وأهليكم وأعماركم.

يطرق شهر رمضان أبوابنا كل عام، كنفحة ربانية تحمل عبقَ الذكر وهمس السكينة، ودعوة صامتة إلى مراجعة علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين، إنه تجربة روحية واجتماعية متكاملة، تفتح أمام الإنسان آفاقًا رحبةً للتأمل، وتمنحه فرصةً للتأمل وإعادة التوازن النفسي، وترميم العلاقات، وتصحيح المسار، موجة تتسلل برفق إلى تفاصيل حياتنا اليومية، فتوقظ فينا حسًا متجددًا بالمسؤولية، وتحيي في القلب ينابيعَ الرحمة، وترسخ معنى الإنسانية في السلوك قبل الشعور، وتتجلى أهمية الشهر في أثره الكبير على بنية المجتمع، وحركته الاقتصادية، وخطابه الثقافي، ومفهومنا للوقت ومعاييرنا للإنتاجية، وإعادة هندسة الوقت، وجعل كل ساعة في رمضان ذات قيمة مضاعفة.

ويعد الاستعداد النفسي والروحي الخطوة الأولى الحقيقية في استقبال رمضان؛ فقبل أن يطرق الشهر أبواب بيوتنا، ينبغي أن يطرق أبواب قلوبنا، فنحن بحاجة إلى استعداد صامت وواعي، مراجعة داخلية نعيد بها ترتيب الفوضى التي تراكمت بداخلنا، وننفض عن أرواحنا غبار العجلة والانشغال، إنه استعداد يبدأ بتنقية النية من شوائب العادة والرياء، حتى يقترب الإنسان من جوهر القيم الرحمة في التعامل، والصدق في القول، والتواضع في السلوك، ويمتد إلى تفكيك الغضب المكتوم، ومصالحة الذات، ومراجعة الأولويات التي بعثرتها تفاصيل الحياة اليومية، وفي هذا الاستعداد، نغير جدولنا وزاوية نظرنا إلى أنفسنا وللحياة، فرمضان يعلمنا أن الصيام هو تهذيب للروح؛ وأن معني الامتناع الحقيقي يبدأ من صفاء القلب، ويتواصل في الفكر وعيًا وانضباطًا، ثم يترسخ في الفعل سلوكًا عمليًا ينعكس في الكلمة الطيبة، والخلق الحسن، وضبط الانفعال، وصيانة العلاقات.

ويمكن النظر إلى الصيام كبرنامج إعادة ضبط داخلي؛ لمراجعةٌ الفكر، وتهذيب المشاعر، وإعادة ترتيبٍ الرغبات بحيث تتجه نحو ما يخدم الصالح العام، وإذا كانت الصلاة وتلاوة القرآن أدوات مركزية لهذا الضبط في هذا المسار التربوي، فإن الصيام ذاته تجربةٌ جسدية ذات بعدٍ أخلاقي، تدرب الإنسان على الصبر والانضباط، وتوقظ فيه الإحساس الحقيقي بالآخرين، وبالتالي ينتج من هذا التفاعل بين الجسد والروح، وتجدد الحس الاجتماعي في قلب التجربة الإيمانية، وتنامي الوعي بالمسؤولية.

ويشجع شهر رمضان علي إحياء التضامن وتجديد الروابط التي قد تضعفها مشاغل الحياة؛ حيث يعاد تشكيل النسيج الاجتماعي عبر صورٍ بسيطة ومتجذرة بالأسرة المصرية مثل مائدة إفطار تجمع القلوب وتكون أكثر تنظيمًا، صحية، ومستدامة، وصدقة تخفف ألم محتاج، وتواصل صادق مع جار، وزيارة تحيي صلة رحم،  ويمكن أن يتسع هذا الأثر عبر تنظيم مبادرات محلية لدعم الفئات الأكثر احتياجًا، وإشراك الجيران في موائد جماعية، وتشجيع الشباب على العمل التطوعي وخدمة المجتمع، مما يساعد على التفاعل الإيجابي، وبناء الوعي الاجتماعي، وترسيخ ثقافة العطاء المستدام التي يمتد أثرها إلى ما بعد الشهر الكريم.

ويمنحنا رمضان فرصةً كبيرة للتأمل في علاقتنا بالاستهلاك ومعاييرنا القيمية؛ حيث يتحول الشهر في بعض المجتمعات إلى موسمٍ للإفراط في الطعام والشراء، في مفارقة واضحة مع روح الصيام وأساس التضامن التي يقوم عليها، ومن ثم تدعو الحاجة إلى مراجعة ثقافة الاستهلاك، واستقبال رمضان بروح الترشيد والاعتدال، عبر تقليل الهدر الغذائي، ودعم المنتجات المحلية، وتشجيع المبادرات البيئية، وربط العطاء بالمسؤولية الاجتماعية، ومراعاة الفئات المستضعفة ممارسةً للوعي الحضاري، وبهذا الفهم، يتحول رمضان إلى مدرسة للحياة، نتعلم فيها كيف نوازن بين الحاجة والوفرة، فنرتقي بالاستهلاك من سلوك اندفاعي إلى اختيار أخلاقي واعي، يعكس نضج الفرد ورقي المجتمع.

ويمثل رمضان فرصةً حقيقية للارتقاء بالروح والفكر، حيث يفتح أمام الإنسان مساحات أرحب للتأمل والمعرفة، فقراءة القرآن بتدبر عميق، وحضور حلقات النقاش الثقافي، والاستماع إلى الشعر والخطب الهادفة، ومتابعة الأعمال الفنية التي تترجم قيم التضامن والرحمة، كلها مسارات تنمي الوعي وتنعش العقل، فهي أنشطةً امتداد للعبادة تثري التجربة الإيمانية ببعد معرفي وجمالي، ومن خلال هذا التفاعل بين العبادة والثقافة، يتحول الشهر الكريم إلى موسم للطاعات وللتعليم المستمر، وتوسيع الأفق، وصقل الذائقة الفكرية والإنسانية، بحيث يخرج الإنسان من رمضان بروح أنقى وعقل أعمق رؤيةً، وأكثر وعيًا بقضايا مجتمعه وإنسانيته.

إن رمضان، بهذا النغم المتفرد، رحلة متكاملة للروح والمجتمع؛ يعلمنا أن الصيام الحق يبدأ من صفاء القلب، وأن العبادة لا تكتمل إلا بالإحسان سلوكًا ومعاملة، وفي فضائه الرحب ندرك أن كل فعل صغير ولو بدا عابرًا، قد يصبح جسرًا لترميم النسيج الاجتماعي، وإيقاعًا يعيد إلى حياتنا ما افتقدناه من انسجام داخلي وتوازن إنساني، وحين يستقبل رمضان بوعي، يتحول لتجربة حياتية ثرية، ومنصة للتجديد الشخصي والاجتماعي، حيث تنتقل القيم إلى ميدان الفعل، وتصبح المبادئ واقعًا ملموسًا ينعكس في السلوك المستدام، رمضان كريم، أعاده الله عليكم بالخير واليمن والبركات.

--

أستاذ أصول التربية
كلية التربية بنات بالقاهرة - جامعة الأزهر




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة