لم أكن أتصور أن يأتي يوم أكتب فيه عن محمود نصر بهذه الصيغة الثقيلة، صيغة الوداع، كان اسمه في هاتفي مقرونًا دائمًا بكلمة "نصر"، وكأنها قدره في الحياة، أن ينتصر على صعوبة المهنة، وضغط المواعيد، وتقلبات العمل، بابتسامة لا تفارقه.
بدأت علاقتي به من خلال عملنا في الجريدة، علاقة مهنية عادية في ظاهرها، نتبادل أرقام المصادر، ونتقاطع في الممرات، ونختلف أحيانًا حول زاوية معالجة خبر أو صياغة عنوان، لم تكن علاقة عميقة في بدايتها، لكنها كانت تنمو بهدوء، كما تنمو الصداقة الحقيقية دون ضجيج.
مرت السنوات إلى أن جاءني منه اتصال غير شكل تلك العلاقة، رن الهاتف، وكان صوته كما هو دائمًا دافئًا، مباشرًا، صادقًا، قال لي بالحرف: "يا صديقي أزيك.. أنا عارف إنك أكتر واحد ملم بالملف الثقافي، وإحنا في البرنامج محتاجينك في الملف ده"، ابتسمت يومها، وقلت له: "أنا يا نصر مش عايز أرجع للعمل في البرامج تاني، بعد ما اشتغلت فيها 15 سنة، أنا محتاج أرتاح".
كنت قد ابتعدت عن البرامج قرابة عام، أبحث عن هدوء افتقدته طويلًا، لكنه لم ييأس، لم يكن محمود نصر يعرف اليأس طريقًا إليه، عاد يحدثني، يناقشني، يقنعني بهدوء، لا بضغط، لم يكن يطلب مجاملة، بل كان يرى أن وجودي إضافة حقيقية للعمل، وكان ذلك أجمل ما فيه، أنه كان يرى في الآخرين ما قد لا يرونه هم في أنفسهم، وافقت في النهاية.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد العلاقة مجرد زمالة عمل، بل صارت شراكة يومية، وصداقة تتشكل بين كواليس الحلقات، وتحليل موقف بعد انتهاء التصوير، كنا نجلس طويلًا نتحدث عن أبرز ما يقابلنا في البرنامج.
كان محمود يمتلك عقلية إعداد نادرة، بمجرد أن تذكر اسم ضيف حتى لو كان خارج ملفه تجده يعرف تاريخه، محطاته، وأهم نقاط القوة والضعف في مسيرته، يناقشك، يقترح محاور، وكأنه يحفظ الخريطة كاملة في ذهنه، لم أجد في إعداد البرامج عقلًا منظمًا وواعيًا مثله، كان يعرف أن الإعلام ليس مجرد أسئلة، بل مسئولية، وأن الكلمة إن لم تكن مدروسة قد تجرح أكثر مما تضيء.
أما على المستوى الشخصي، فهنا تكمن المساحة الأجمل، نعم، كنا نختلف، العمل بطبيعته يولد احتكاكات، ويشتد النقاش، لكن محمود نصر كان يملك قلبًا متسامحًا مع ذاته قبل أن يكون متسامحًا مع الآخرين، كان يترك الخلاف خلفه، ويعود بابتسامته المعهودة، وكأن شيئًا لم يكن، كان يمتلك قدرة عجيبة على امتصاص الغضب.
مهما بلغت درجة انفعالك، تجد ضحكته تسبق رده، وكلمته اللطيفة تطفئ حدة الموقف، كان يعرف كيف يحافظ على المسافة الإنسانية وسط ضغط المهنة، وكيف يجعل الزمالة علاقة قائمة على الاحترام والمودة.
محمود نصر لم يكن مجرد صحفي مجتهد، بل كان إنسانًا صاحب أخلاق سامية، لا تتكرر كثيرًا، ترك أثرًا كبيرًا في زملائه بالجريدة، وأنا بشكل خاص، أثرًا من نوع لا يمحى بمرور الوقت، ولا يختصر في كلمات عزاء.
الآن جاء اليوم الذي ترتاح فيه يا صديقي، ترتاح من صخب الأخبار، ومن سباق المواعيد، وداعًا يا نصر، لن يكون الغياب سهلًا، لكن ذكراك ستبقى حاضرة..