
من قلب الدلتا، وتحديدًا من قرية دقادوس، التي أهدت العالم إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي، برز صوتٌ قرآني فريد، جمع بين عذوبة الأداء وإتقان القراءات، ليحجز مكانه وسط جيل عمالقة دولة التلاوة في أربعينيات القرن الماضي، إنه الشيخ أحمد التهامي القناوي، الذي عاش خادماً للقرآن ورحل تاركاً خلفه تساؤلات حول ميراثه الإذاعي المفقود.
ميلاد الشيخ أحمد التهامي القناوي
وُلِد الشيخ أحمد التهامي القناوي في عام 1917 بقرية دقادوس -التابعة حاليا لمدينة ميت غمر- بمحافظة الدقهلية، في بيئة تعتز بكتاب الله وأهله، وكان خاله الشيخ عبد الشافي مشة ناظرا بعدد من المدارس وأحد علماء "دقادوس" المرموقين، وضع الصغير على طريق النور، وتولى تحفيظه القرآن الكريم.
لم يتوقف طموح الشيخ الشاب عند حفظ كتاب الله على يد خاله، بل طاف بين القرى والمدن ليصقل موهبته؛ فنهل من علم الشيخ سعدة في قرية فرسيس بمحافظة الشرقية، والشيخ إبراهيم الباز في صهبرة بالشرقية أيضا، والشيخ عبد المجيد باشا في مسقط رأسه بدقادوس، حتى أتقن القراءات وصار مرجعًا لزملائه.
حازت موهبة الشيخ القناوي إعجاب أهل القرية والقرى المجاورة وكانوا يدعونه لإحياء حفلاتهم، كما استوقفت كبار المتخصصين، فقد كان الشيخ عامر عثمان، شيخ عموم المقارئ المصرية الأسبق، يحرص على الاستماع لتلاوته ويبيت في منزله بـ "دقادوس"، حينما كان يحضر للتفتيش على مقرأة ميت غمر، تقديراً لمكانته.
التحاقه بالإذاعة
في عام 1949، انفتحت للشيخ أبواب الشهرة الرسمية بالتحاقه بالإذاعة المصرية، تلك الحقبة التي يمكن إطلاق عليها حقبة الجيل الثاني مِن قراء الإذاعة، مِن جيل الأربعينيات الإذاعي، فقد زامل في الإذاعة عمالقة هذا الزمان أمثال الشيخ محمود خليل الحصري والشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ محمود عبد الحكم والشيخ كامل يوسف البهتيمي والشيخ محمود علي البنا، وقرأ القرآن الكريم بثا مُباشرا من دار الإذاعة أحيانا ومُسجلا أحيانا أخرى، كعادة الإذاعة وقتها، وكان له فيها تسجيلات قصيرة، ربع ساعة، وأخرى طويلة، نصف ساعة، كما قرأ في محافل الإذاعة على الهواء مباشرة.
لم يسعَ الشيخ التهامي للسفر خارج مصر، فقد وهب صوته لمساجدها ومحافلها، وارتبط اسمه بمسجد أبي بكر السطوحي بدقادوس، حيث كان يقرأ السورة فيه ويُصلي جميع الأوقات ويؤدي التواشيح، كما ارتبط أيضا بعدد كبير من المساجد، حيث إحياء ليالي شهر رمضان مبارك، فلم يُسافر الشيخ خارج مصر، طيلة حياته، وكان من بين القراء الذين شاركوا في افتتاح مسجد أسد بن الفرات بالدقي في محافظة الجيزة عام 1962، وامتد أثره القرآني إلى أسرته، حيث حفظ أبناؤه الخمسة القرآن الكريم، وساروا على نهجه في التقوى والوقار.
مأساته مع الإذاعة
رغم الشهرة التي حققها الشيخ القناوي، إلا أن اسمه اختفى من عروض البرامج الإذاعية بعد ثورة يوليو 1952 دون أي سبب ولم يُذع أي تسجيل له بعدها دون مبرر.
ضياع أرشيف الشيخ الإذاعي مَحا تاريخه تمامًا، حيث عاصر حقبة "البرنامج العام"، قبل استحداث تصنيفات القراء في السبعينيات، وقتما كانت الشهرة حكرًا على مَن تُكرر الإذاعة بث تلاواتهم، بينما طوى التجاهل أسماء رنانة كالشيخ التهامي، رغم كونه قارئاً للإذاعات الطويلة، كان يصدح بصوته على الهواء مباشرة كبقية عمالقة جيله، وللأسف لا تتوافر تسجيلات للشيخ على الانترنت إلا تسجيل واحد من عزاء في عام 1981.
مرضه ووفاته
في سنواته الأخيرة، عانى الشيخ من مرض في الأحبال الصوتية، وأجرى بها عملية جراحية دقيقة، توقف على إثرها عن التلاوة لفترة، ثم عاد صابراً محتسباً بتلاوات أقل من السابق، حتى وافته المنية في 13 أبريل 1981، وبقي اسمه علامة على زمن "الخُلق القرآني" والزهد، شاهداً على أن عظمة القارئ لا تُقاس فقط بما يٌذاع له من تلاوات، بل بما تركه من أثر في قلوب مريديه وفي صدور حفظة القرآن.
الشيخ أحمد التهامي القناوي