يهلُّ شهر رمضان المبارك كل عام ليوقظ فى النفوس أشواقها الصادقة إلى ربها، ويجدد فى القلوب عهد العبودية الخالصة، ويعيد للإنسان توازنه المنشود بين مطالب الجسد ونداء الروح، فليس الصيام مجرد امتناعٍ عن الطعام والشراب، وإنما هو مدرسة إيمانية متكاملة، تعيد صياغة عَلاقة العبد بربه على أساس القرب والمراقبة والمحبة، وقد بيَّن القرآن الكريم الغاية الكبرى من فرض الصيام بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183). فالتقوى هى لبُّ العلاقة مع الله وجوهرها؛ إذ تعنى حضور القلب فى الطاعة، واستشعار نظر الله إلى العبد فى السر والعلن، فإذا صام المسلم وهو يستحضر اطلاع الله على خفاياه، ارتقى إلى مقام الإحسان الذى عرَّفه النبى صلى الله عليه وسلم، بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (متفق عليه)، والصيام عبادةٌ خفيةٌ بين العبد وربه، لا يطلع على حقيقتها إلا الله؛ ومن هنا جاء فى الحديث القدسى: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لى وأنا أجزى به» (متفق عليه). وهذا الاختصاص الإلهى يرسخ معنى الإخلاص، ويعمق صدق التوجه، ويجعل العبد أكثر.
صفاءً فى قصده وأعماله، وأشدَّ صلةً بربه، ومن أبرز مظاهر تجديد العلاقة مع الله فى رمضان الإقبالُ على القرآن الكريم، الذى اختصه الله بهذا الشرف الرفيع، فقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ (البقرة: 185). فالقرآن خطاب الله إلى عباده، ومن أقبل عليه تلاوةً وتدبرًا، فقد فتح لنفسه بابًا واسعًا من أبواب القرب، واستنار قلبه بنور الهداية، وتجددت فى داخله معانى الصفاء واليقين، وليس المقصود مجرد كثرة التلاوة، بل عمق الفهم، وحسن الامتثال، وترجمة الهداية إلى سلوكٍ عملى فى الحياة، كما أن قيام الليل فى رمضان يعمق هذه الصلة، ويهيئ للعبد.
لحظات صفاءٍ وسكونٍ يقف فيها بين يدى ربه، يناجيه، ويستغفره، ويتضرع إليه. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه). فالمغفرة ثمرةٌ مباشرةٌ لصدق الإقبال، وتجديد العهد، وحسن الرجوع إلى الله، ومن خصائص هذا الشهر الكريم أن الله يفتح فيه أبواب رحمته، وييسر لعباده أسباب العودة إليه؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين» (متفق عليه)، وهى صورة بليغة تعبر عن تهيئة أجواء الطاعة، وتيسير سبل الخير، وإزالة العوائق أمام من أراد أن يُصلح علاقته بربه ويبدأ صفحةً جديدةً فى حياته.
أخى القارئ الكريم
إن تجديد العلاقة مع الله فى رمضان يقتضى محاسبة النفس، وردَّ المظالم إلى أهلها، وتصحيح النيات، وإخلاص القصد فى القول والعمل. قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: 31). فالتوبة الصادقة جسر العودة، ومفتاح القرب، وبداية الطريق إلى حياةٍ إيمانيةٍ مستقيمة، فلنجعل من رمضان فرصةً حقيقيةً لإعادة ترتيب.
الأولويات، وتجديد العهد مع الله على الطاعة والذكر والإنابة، ولنعاهد أنفسنا ألا تنقضى أيامه ولياليه إلا وقد ازداد قربنا من ربنا، واشتد تعلقنا به، واستنارت قلوبنا بنوره. نسأل الله أن يوفقنا لحسن اغتنام هذا الموسم العظيم، وأن يجعلنا من عباده الذين إذا ذُكِّروا تذكروا، وإذا دُعوا إليه لبَّوا؛ إنه ولى ذلك والقادر عليه.. وللحديث بقية.