رغم ما نعانيه من زخم حياة، لا تنتهي ضغوطها، يأتي شهر الفضيلة؛ ليروي قلوبًا، باتت مشتاقة؛ فيحركها من رياح الغفلة إلى واحة الأمان، والطمأنينة والرضا، وعلى إثر ذلك تتشبع الأرواح بغذاء القيم، وتهجر وطأة المادية المتحجرة؛ ومن ثم فإن الشهر الكريم يعد بمثابة غيث، يحمل الدواء، والشفاء إلى وجدانيات، تشتاق إلى أن تزهر في خضمّ أيام معدودات؛ كي تتفتح أبواب الصدور؛ فتنير الأفئدة برياحين الفضائل، والشمائل، وأذكار، يستعيد بها الإنسان ذاته؛ فيشعر بالسكينة.
ميلاد شهر رمضان المبارك يبعث فينا الأمل، ويجدد في سجايا النفوس ماهية التقوى، ويمنحنا فرصة الاستعداد؛ لمنح، وبركات، ويفتح باب تجديد العزيمة، والإرادة، ويقدم لنا فرصا؛ لتعضيد وشائج الروابط الأسرية، ويزيد من الاجتماعية الغائبة عن واحة معيشتنا المبعثرة في تفاصيل مهام حياتية متواترة، ويدربنا على ممارسات، تعكس اتصافات قيم العطاء، والصبر من أجل نور، نستلهم منه سلامة النفس، والروح، ويقربنا من رب السماء، ويزيدنا إخلاصًا، وخشوعًا.
في رحاب الشهر الفضيل نتطهر من درن الدهر، ونعيش في بيئة إيمانية، تُرقي الوجدان، وتحيي موات القلوب، وتحتضن فيض مشاعر، تهيب الرحمن في علاه، وهنا نرصد صفو السريرة، وسطوح وضاء المحبة، وصور الإيثار الدالة على حسن الطاعة، والسعي؛ لنيل الأجر، عبر بوابة غرس الخيرات؛ بغية حصد مثوبة بيد الله- تعالى- دون غيره؛ لذا ترى النفوس تعلي من قيم التسامح، وتقوي من الروابط، عبر الاجتماع على موائد الذكر؛ ومن ثم تتزايد لغة الابتهال، عبر تهجد مستدام.
زهرة القلوب، وازدهار الوجدان في شهر رمضان، عبر بوابة القرآن الكريم، الذي يعد نوره باقٍ في الأفئدة؛ إذ يزيل الزلل، ويعزّز من هدى الأرواح؛ فنستعيد أنفسنا بين سجايا آيات رب العالمين، قال جل شأنه {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ} (البقرة: 185)، وفي خضم معانٍ لا تنضب، نجد ارتياحًا يحولنا من جرف مادية الحياة إلى روحانية، تنير لنا الدرب؛ فنفرق بين الحق، والباطل، ونصل إلى طريق مستقيم، ونحمل رسالة الإعمار، التي خصنا الله - تعالى - بها، وفي هذا المضار الرفيع نذّكر بقول الله - عز وجل- {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} (المائدة: 15).
شهر التهذيب يوثق في نفوسنا ماهية التقوى؛ إذ لا يقتصر الأمر على كبح الجوارح، بل هناك تروية لبستان الأرواح، والقلوب؛ فتزول جدر القسوة، ويذوب سياج الصدأ؛ لتحل رقة الوجدان، التي تترجمه مشاعر العطاء، المتمثلة في المبادرة نحو أعمال الخير، والفضيلة، وهنا ندرك الفلسفة الربانية، والحكمة الغائرة في الفريضة؛ حيث قال الله تعالى في كتابه المجيد {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183).
رمضان القلوب يحميها من الإنكسارِ أمامَ عواصفِ الشهوة، ويرفعُ قدر، ومقدار الإنسانَ؛ ليصل من بوابته إلى سموِّ الروح؛ ومن ثم يتحقق المراد؛ إذ يصبح الإنسان من الصابرين، الذين قال الله تعالى فيهم {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة: 274)؛ إنه شهر كريم، يبتغي الجميع فيه الأجر وفق وعد إلهي، عن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حديثه الشريف، المتفق عليه (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به).
عبر ليالي رمضان، وفي سكونها تجد القلوب العامرة بذكر الله -تعالى- راحتها في السجود، الذي يخرج الإنسان من صخب الحياة إلى روحانيات، تشعره بالقرب من رب السماء، فتداوي جراحه، وفي ذلك يقول الحق - عز وجل - {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} (السجدة: 16)؛ حيث الطمأنينة في مطلقها، مصداقًا لقول الله -تعالى- {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: 28)، فلمن أدرك شهر رمضان: كل عام وأنتم بخير، ولمن غابت أجسادهم عنا، وفاضت أرواحهم لبارئها: نسأل الله لهم جنات عرضها السماوات والأرض.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.
--
أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر