الحناجر الذهبية.. حكاية قارئ نقل صوت مصر من "بيلا" إلى رحاب "الأقصى"

الخميس، 19 فبراير 2026 05:00 م
الحناجر الذهبية.. حكاية قارئ نقل صوت مصر من "بيلا" إلى رحاب "الأقصى" الشيخ أبو العينين شعيشع

كتب محمود عبد الراضي

مع اقتراب دقات ساعة الإفطار في ليالي رمضان المضيئة، ينساب إلى المسامع صوت يحمل طمأنينة الأرض وخشوع السماء؛ إنه صوت الشيخ أبو العينين شعيشع، أحد أعمدة "دولة التلاوة" التي لا تغيب عنها الشمس. ذلك الصوت الذي لم يكن مجرد أداءٍ متقن للآيات، بل كان رحلة وجدانية تربط قلوب الصائمين بخالقهم، وتجعل من لحظات ما قبل المغرب طقساً روحانياً لا يكتمل الشهر الكريم بدونه.

في حضرة التلاوة.. شعيشع الذي هزم صمت الحنجرة ليبقى صوته أيقونة المغرب في رمضان
 

ولد شعيشع في مدينة بيلا بمحافظة كفر الشيخ عام 1923، وبزغت موهبته وهو لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره. كانت مدينة المنصورة شاهدة على أول ظهور لافت له عام 1936، لينطلق بعدها صوتاً شاباً يغزو الإذاعة المصرية عام 1939.

وفي تلك الفترة، تجلت عبقريته، حين استعانت به الإذاعة لترميم الأجزاء التالفة من تسجيلات إمامه وقدوته الشيخ محمد رفعت؛ فكان يملك قدرة مذهلة على محاكاة "قيثارة السماء"، لكنه بذكاء الفنان وإيمان القارئ، سرعان ما استقل بأسلوبه الخاص، ليكون "شعيشع" لا "رفعت الثاني".

لم تكن مسيرة الشيخ شعيشع محدودة بحدود الجغرافيا، بل كان سفيراً فوق العادة للقرآن الكريم؛ فهو أول قارئ مصري يصدح بالقرآن في المسجد الأقصى المبارك، كما طاف بصوته أروقة المساجد الكبرى في العراق وسوريا، حاملاً معه هيبة التلاوة المصرية وقدرتها على أسر القلوب.

ورغم المحنة القاسية التي أصابت حنجرته في أوائل الستينيات وأبعدته عن التلاوة مؤقتاً، إلا أنه عاد بصبر المؤمن وإرادة البطل، ليعتلي دكة القراءة في مسجد عمر مكرم ثم مسجد السيدة زينب، ويصبح نقيباً للقراء عام 1988.

خاض الشيخ الراحل معارك نقابية عديدة من أجل كرامة القراء وتحسين أحوالهم، وشغل مناصب رفيعة في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، مقدماً نموذجاً للقارئ المثقف والغيور على مهنته. نال وسام الدولة عام 1989 وتكريمات دولية عديدة، لكن يبقى التكريم الأسمى هو ذلك "الحب" الذي يتدفق في قلوب المصريين كلما سُمع صوته عبر أثير الإذاعة.

رحل أبو العينين شعيشع في يونيو 2011 عن عمر يناهز 88 عاماً، لكنه ترك خلفه إرثاً لا يبلى. إن صوته اليوم هو جزء من "هوية" رمضان المصرية، يمزج بين السكينة والشجن، ويؤكد أن دولة التلاوة في مصر ستظل ولادة بالعظماء الذين يرحلون بأجسادهم، وتظل أصواتهم نجومًا مضيئة في سماء الإيمان، تمنحنا الأمل والسكينة مع كل "آذان مغرب".

شهر رمضان في مصر ليس مجرد فترة صيام، بل هو رحلة روحانية تتجسد فيها الطقوس المتجددة، ومن أبرزها استماع المصريين لتلاوات قرآن مشايخهم المفضّلين، مع دقات أذان المغرب، تملأ أجواء المنازل والشوارع أصوات القراء الكبار ليصبحوا جزءًا من الروح الرمضانية، هذه الأصوات العذبة التي تلامس القلوب قبل الفطور، أصبحت جزءًا من هوية الشهر الكريم، حيث تمزج بين الهدوء والسكينة، وتعيد للأذهان ذكرى إيمانية طيبة تمس الأعماق، فتجعل كل لحظة من رمضان أكثر تقديسًا.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة