كيف تؤدى الإجراءات الحمائية ضد الواردات المفرطة إلى الحفاظ على الاستثمارات الضخمة فى صناعة الصلب؟

الأربعاء، 18 فبراير 2026 06:15 م
كيف تؤدى الإجراءات الحمائية ضد الواردات المفرطة إلى الحفاظ على الاستثمارات الضخمة فى صناعة الصلب؟ حديد صلب

تحليل يكتبه – أحمد يعقوب

تتسارع الأحداث في المشهد الاقتصادى العالمى بشكل لحظى، حيث القرارات الاقتصادية من صناع السياسات في العالم التي تستهدف حماية الصناعات الوطنية بالأساس، وغيرها من الإجراءات الحمائية والخطط الطموحة لجذب تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، ودعم سوق التوظيف، بما يستدعى رفع قدرة الحكومات على وضع الخطط والمستهدفات وتعديلها وفقًا للمستجدات المتسارعة، وإعادة ترتيب الأولويات بشكل يواكب ما يحدث في العالم، بما يسهم في تحسين مؤشرات الأداء الاقتصادى الكلية، ويتواكب مع المتغيرات العالمية المتلاحقة والبيئة الدولية التى تتسم بمنسوب عالى من الضبابية وعدم اليقين، وإجراء تقييمات ومراجعة الخطط الاستراتيجية والبرامج بشكل يحقق زيادة فى مصادر النقد الأجنبى والإيرادات من النشاط الاقتصادى، وبأن تكون محلا للمتابعة والتقييم بصفة مستمرة.

في أوقات التحولات الاقتصادية الكبرى العالمية، يظل قطاع الصلب أحد أهم القطاعات الاقتصادية الداعمة للنمو، وهو القطاع الذى تهتم به مصر ويسهم في النمو في الناتج المحالى الإجمالى فى ظل استهداف مصر 7% معدل نمو اقتصادى خلال الفترة المقبلة، بالإضافة إلى زيادة مساهمة القطاع الصناعى كنسبة من الناتج المحلى الإجمالى إلى 20% من نسبة 14% فى الوقت الحالى بما يدعم زيادة الانتاجية والنمو وإيرادات النقد الأجنبى.

وتعتمد استراتيجية الدولة المصرية، على رؤية تعميق الصناعة الوطنية وتعظيم المكون المحلى، للاستفادة من الفرص الكبيرة التي تتيحها خطة التنمية، وتنفيذ مشروعات قومية كبرى تشغل الملايين من فرص العمل وتعتمد على المستلزمات الصناعية المنتجة محليًا.

وتستهدف مصر زيادة إيرادات النقد الأجنبي من مصادرها الرئيسية وهى الصادرات والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج والاستثمارات وإيرادات قناة السويس من 120 مليار دولار فى الوقت الحالي إلى 300 مليار دولار بحلول عام 2030.

وعندما يخطط أى اقتصاد لرفع معدلات النمو، لابد وأن يعتمد على صناعة صلب قوية تسهم في توفير فرص العمل ودعم سوق التوظيف وتحقيق النمو الاقتصادى المستهدف، لأنه لا يوجد نمو مستدام دون صناعات تحويلية قوية، ولا صناعة تحويلية بدون صناعة الصلب، حيث يدخل الصلب فى صناعات تحويلية كثيرة، بالإضافة إلى قطاع التشييد والبناء، حيث يعمل بتلك القطاعات ملايين الأشخاص، أى أنها صناعة تسهم إلى حد كبير في خفض معدلات البطالة.


وعندما نحاول قراءة المشهد فى صناعة الصلب، نجد أن مصر تستهلك نحو 7 ملايين طن حديد تسليح سنوياً، واستيراد هذه الكمية له آثار هائلة على اقتصاد الدولة، لأن استيراد هذا الكم الهائل سيعني زيادة الفاتورة الاستيرادية لمصر بـ 4 مليارات دولار، حيث تعمل الدولة على ترشيد الاستيراد من الخارج ودعم التصنيع والمنتج المحلى.


والصلب صناعة متكاملة قائمة على الصلب السائل وليس تشكيل المعادن، وتقوم على صهر الخام والخردة وتحويله لصلب سائل، والدرفلة هي آخر مرحلة من مراحل صناعة الحديد بقيمة مضافة 15% فمنظمة الصلب العالمية تحتسب فقط الصلب السائل.

وتعد صناعة البناء أكبر مستهلك للحديد حيث تستخدم ما يقرب من 50% من استهلاك الصلب عالميا، بالإضافة الى قطاع النقل السيارات والشاحنات والطيران وبناء السفن والسكك الحديدية حيث يستهلك 16% من إنتاج الصلب، ويعد الصلب المكون الرئيسي للمركبات بنسبة 50%، كما تستهلك صناعة الآلات والمنتجات المعدنية نحو 14 % من الإنتاج.

ويستمر الإنتاج العالمى من الصلب الخام فى الارتفاع، بينما وتيرة الطلب على الصلب فى العالم تنخفض، وفيما تتركز الطاقات الفائضة في العالم في قارة آسيا، بسبب فائض الإنتاج الصيني الكبير، مصر أكثر دولة عربية لديها الطاقات الفائضة، وزيادة هائلة في واردات البليت إلى مصر ما جعلها رابع أكبر مستورد للبليت في العالم عام 2024، فى الوقت الذى يأتى التصدى للعجز فى الميزان التجارى على قمة اهتمامات وأولويات الحكومة، في إطار تبنى استراتيجية عاجلة للنهوض بالصناعة الوطنية 2025-2030، تقوم على خفض الواردات وتصنيع البديل محلياً، الأمر الذى من شأنه الحد من الضغط على النقد الأجنبي ويحافظ على قيمة الجنيه المصرى.

وخلال السنوات الأخيرة، شهدت مصر زيادة ملحوظة فى واردات خام البيليت،  وهو منتج شبه نهائي تم تصنيعه بنسبة 85% لإنتاج حديد التسليح، خاصة من دول آسيا وشرق أوروبا، إلى جانب واردات الحديد تام الصنع بأسعار تقل أحيانا عن متوسط التكلفة المحلية، حيث استحوذت الواردات على نحو 25% من السوق المحلية، وهى نسبة مرتفعة فى سوق يعانى أصلا من فائض طاقة إنتاجية محلية.


ويبلغ عدد العاملين بمصانع الصلب المتكاملة وشبه المتكاملة في مصر 26 ألف عاملن ونحو 40 ألف وظيفة انتاجية في قطاعات السلع والخدمات المرتبطة بصناعة الصلب المسطح يمكن حمايتها عدة إجراءات أبرزها فرض رسوم وقائية لحماية صناعة الصلب المسطح المحلية.

ومن الممكن أن يتم تطبيق إجراءات حماية تجارية مدروسة وفق قواعد منظمة التجارة العالمية، وهو المنهج التي تتخذه عدة دول في العالم، بالإضافة إلى مراجعة سياسات تسعير الطاقة، ومنح أولوية للمنتجات المحلية المصرية فى المشروعات القومية، ودعم التوسع التصديرى خاصة إلى أفريقيا والأسواق الإقليمية، ودعم الطلب المحلى من خلال إعادة تنظيم عمليات البناء فى القرى وضواحى المحافظات وتفضيل المنتج المحلى من خلال اشتراط أن يكون المنتج المستخدم من الحديد والصلب به مكون محلى أكثر من 25% وفقًا لقانون بلد المنشأ.

ومع الحماية الجمركية الصفرية للسوق المصرية، باتت مصر أحد الأهداف الرئيسية أمام هذا الكم الهائل من الفوائض الذي يبحث عن تصريف، وتعد صناعة الصلب المسطح صناعة استراتيجية لمصر حيث تقوم بتوفير المواد الخام الأساسية للعديد من المنتجات الصناعية المصنعة في مصر، مثل المواسير وأنابيب البوتاجاز والهياكل المعدنية، والسلع المعمرة، والسيارات، والسفن.

وصناعة المحلية أكثر قدرة على تلبية احتياجات ومتطلبات المستهلكين المصريين وتوفير كافة أنواع ومقاسات المنتج، حيث قد تعجز واردات المنتج المعني عن الاستجابة بشكل فعال لهذه الاحتياجات حيث تقدم الصناعة المحلية ضمانات أفضل ضد عيوب الصناعة، فضلاً عن الدعم الفني لمستهلك المنتج المثيل في مصر وهو ما لا يتوفر فى واردات المنتج المعنى، التي غالبا ما يبيعها التجار، بدون أى خدمة لما بعد البيع.

ويشكل استمرار ضغط الواردات على صناعة الصلب المحلية تأثيرًا قد يؤدى إلى خروج بعض الطاقات الإنتاجية من الخدمة، وفقدان وظائف فى قطاع كثيف العمالة، وزيادة الاعتماد على الواردات فى سلعة استراتيجية، فضلا عن تآكل القيمة المضافة المحلية فى قطاع البناء والتشييد، وهى نتائج تتعارض مع أهداف الدولة المعلنة بشأن تعميق التصنيع المحلى وتقليل فجوة الميزان التجاري، ولا تتمثل المعضلة فى إغلاق السوق أمام المستورد بل فى استعادة تكافؤ الفرص.

تصاعد الفوائض الإنتاجية
تصاعد الفوائض الإنتاجية

 

توزيع الطاقات الفائضة
توزيع الطاقات الفائضة

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة