عصام محمد عبد القادر

عطاء الأبوة

الأربعاء، 18 فبراير 2026 01:22 ص


الجميع دون استثناء يشعر بالأمان، والطمأنينة حيال وجود الأب بالمنزل، كونه وعاء العطاء، الذي لا ينضب، والقائم على تنظيم المدخلات، والعمليات والمخرجات الخاصة بالأسرة، وباعتبار أن نظرته الشمولية للأمور الناتجة عن خبرات عديدة، يكتسبها في خضم زخم الحياة، وتفاصيلها، تزيده فهما، وإدراكا، وتلهمه بالرؤى السديدة، التي تنبرى على معايير، وحيثيات، يصعب على باقي أفراد البيت الصغير الإحاطة بها؛ ومن ثم يحاول الرجل أن يسدد، ويقارب، ويصنع سياج الحماية، والرعاية للجميع، وهذا لا يعني الوصف الكامل لمهامه؛ فهي عديدة، ومتنوعة، ويصعب أن نحصي جوانبها، ومجالاتها.

تعلمنا من الأب الصمود الناتج عن فلسفة الحكمة، والتعقل عند تناول ما نتعرض له من قضايا؛ فمدرسة الحياة تركت آثارًا عميقة في وجدانه، ورسّخت ثوابت، تمخضت عن مفاهيم صحيحة؛ فصار السلوك الإيجابي ملازمًا لمن تحمّل المسؤولية، وأراد أن يُسيّر سفينة الوطن الصغير بكل هدوء، وتؤدة؛ إنه صاحب العقل، الذي دومًا يبحث عن كل ما يفيد هذا الكيان المُشكّل لبنية المجتمع؛ كي ينال حظه من حياة، معتركها ليس بالهين؛ إذ تحتاج أن يكون الإنسان مالكًا للوعي الصحيح، وللتفرد في الأداء؛ ليستطيع أن يصنع مستقبلًا مرضيًا لأحلامه، ومثلّجًا لصدور من يُكنّون له المحبة، ويتمنون له كل الخير، وفي مقدمتهم الأب، دون مواربة.

الأب قريب من الجميع؛ فإليه يهرع الكبير، والصغير داخل الأسرة؛ فهو يمتلك أطروحات قويمة لحلول مشكلات متجددة، ويمكنه أن يزلّل معوقات، أو صعوبات، تقف حجر عثرة أمام الفرد نحو ما يأمل، أو يتمنى، أو ما يخطط له في آنه، ومستقبله، وصاحب العطاء بالطبع لا يكلُّ، ولا يملُّ، ولا يتوقف عن مد يد العون، والمساعدة بكل حب، ورضا؛ كونه يدرك أن هذا من صميم واجبه نحو الجميع، وأن ما يقوم به من جهود تقع تحت مُسلّمة الرعاية في إطارها المسؤول؛ لذا تراه يتحمل الضغوط، دون أن يشارك كثير منها لأحد؛ بغية تجنب الإزعاج، أو إحداث اضطرابات لدى أذهان من يشاركونه تفاصيل رغد المعيشة.

ندرك ضغوط، وأعباء الحياة، التي تحيط بنا؛ لكن الأب لا يهدأ تفكيره، ولا تتوقف وتيرة قدح الأذهان لديه؛ كي يدير المشهد بحرفية، ويحرص على أن يلبي الاحتياجات الأساسية، ويحاول بكل جهد، وطاقة أن يشبع، ويرضى المطالب الفئوية، داخل كيانه الصغير من قبيل الحب، والرحمة، وإدخال البهجة في قلوب من يشملهم بالرعاية، ويحتضنهم بشغف ماهية الأبوة؛ لذا يعمل على مُسلّمة الرضا، بما لا يترك الأثر السلبي لصاحب الحاجة من فلذات أكباده؛ فالأمر بالنسبة له يقوم على فكرة بناء إنسان سويّ، يمتلك مقومات تساعده في القيام بواجباته، وتسهم في تحقيق أهداف، لا مناص عنها، سواءً تعلقت بتعليمه، أو بمجال عمله.

نوقن أن الأبوة في إطارها المتكامل تحدث الاستقرار المنشود للوطن الصغير، عبر شخصية متوازنة، تتحكم دومًا في انفعالاتها؛ فيكتسب الجميع صفة الهدوء من منبع العطاء، وهنا يفقه الوالد أن تربية الأبناء على لغة الحوار، والمناقشة البناءة، يؤدي إلى تنمية مهارات التفكير المنطقي لديهم، ويجعلهم على وفاق نحو كل ما يجلب النفع، ويحقق المصلحة العامة لجميع منتسبي الكيان، وهنا يعتاد الجميع على مائدة الشراكة في كل ما يواجههم من تحديات، مهما تباينت درجاتها، واختلفت أنماطها.

بناء مجتمع أسري مستقر، يتمسك بالقيم النبيلة، ويفعل الشمائل في ممارساته، ويعي حقوقه، وواجباته، يقوم على ماهية أبوّة ناضجة؛ حيث التخلي عن النزعة الذاتية، والانتقال إلى واحة الجماعة، التي يستلزم في خضمها العمل من أجل الغير، وللغير من قبيل قناعة داخلية، تنبري على قاعدة رئيسة، تكمن في الاستخلاف، الذي يتحقق من إنسان، تربّى على العطاء، والبذل، وليس على الأنانية، وحب النفس؛ لذا نثمن تربية الأب القائمة على الرحمة، واللين، والحزم، ونتذكر أياما، عشنا طيفها في رحابة الوالد، الذي فنى عمره من أجل تربية أبناء، لا يملكون له إلا الدعاء بالرحمة، والغفران، وأن يجزيه الله عنا خير الجزاء، وأن يسكنه الجنة مع الأبرار، وأن يكون البر لوالدينا متصل على الدوام ما حيينا.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.

____

أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة