إنه يفتقد شيئا ما، ما هو، إنه لا يدري؟ ولكنه يشعر به، يتحسسه رغم بصره الحاد، يتناول قرص من العزاء لنفسه، يتلهى به ....بحث في دفاتره القديمة، أوراقه، وأحباره، كلماته، لم يترك شيء إلا وجدَ الطلب في إثره، اضطربت خواطره، وهو يحوم حول نفسه، وفي زوايا حجرته الصغيرة، التي لم تكن تحتوي إلا سرير صغير ومنضدة وكرسي، وكتبه التي تعاني من الفوضى كعقله، يسرد الحكايات لنفسه، حتى ينام، إنه يخاف من كل شيء، علمته الحياة أن يخاف وأن الفزع بالقرب منه، يتربص بأحلامه، يترك لخياله العنان، ويتذكر أنه لا يتذكر، إنما يختلق قصص وحكايات وحوارات كي ينام، في اللحظات الأولى تهل عليه بأنوثتها وجمالها، يأخذها من ذراعيها وينطلق يعدو بها في كل مكان، ويطير بها أحيانا إلى السماء، وفوق السحاب، لم يتركا مكانا حتى تنزها فيه، كانت الحوارات تمتد بينهما إلى دقائق حتى يسبح في نوم عميق، لم يتخاصما أبدا في مسيرة خياله، كان على وفاق دائم، لم يغضبها بكلمة، كانت هي أيضا تحبه، عاشا يتناجيان طوال سنوات، ولا تلتقي به وجها لوجه، يوما ما كانا يلتقيان بالإشارة من على البعد.
كان الحب عرشا ساميا بينهما، لم تدنسه خطيئة أو شهوة أو رغبة، اجتمعا على الحب وتفرقا عليه، ألتقت أرواحهم عليه، وظلت على العهد به، جاءا إلى الدنيا، وسوف يفترقان، ولم يخاطبها بكلمة واحدة، ما عدا إشارات بالعين مرة، وبالقلب مرات، أكتفيا به، كانت هي النار التي تشعل صدورهما بالحب، وتجعله لا ينسى أو يتراجع، سكب في روحه معناها، وسكبت هي أيضا في أعماقها نفسه، أمتزجا كان في أيام الصفا والوحدة، يعيد بعض شرائك الماضي القديم، ويتناول ذكريات خياله ويرق لها، وترهف حسه ونفسه، كان يقاوم كبح جماح خياله، ولكنه عند لحظة ما، كان الضعف سيد الموقف، فيهيم معه، ويشطح ويصعد إلى الدرجات العلوية، وأقصى ما يستطيع..
نشأنا في قُرانا أن لا نتبع قلوبنا، ونتنكر لها، ونسخر مما يقع تحت نبضها، علمونا أنها كلام فارغ، وأنها لعب أطفال، وإنها خطيئة، وأن الدين يمقته، ويحاربه ويلعن أصحابه، وأن النظر إلى الجمال حرام، فنشأنا نخاف منه، ونبتعد عنه، فلما أحببنا علمنا أن الردة كانت نصيبنا المحتوم، كفرنا وخُتم على قلوبنا بالحب إلى الأبد، إلى أن نساق إلى الجحيم، وسيكون الحب في الدرك الأسفل منه، وأن أصحابه، لا محالة معه، فكل امريء مع من أحب، وأن الحب الحقيقي، أن يموت القلب، أن يقاد من غرفتيه إلى ما يريدون، وأن سلطان القلوب أن تغتاله العقول الذكية، كما يدعون، آمنا بالحب فآمنا بالجحيم، وبالنار ومقامع من حديد، آمن بالحب فكان إيماننا كفر، مصيره النار، كان الإيمان بالحب كفر، كفر بالنعيم، وراحة اليقين، كان إيماننا جحود، كنود يأس من رحمة الله، أقتلعونا من زمرتهم ليلقوا بنا في متاهات الشك، أضلونا الطريق، وسلكوا بنا دروبا وعرة، وأجبرونا على هدايتهم، وأصروا أن نعلن كفرنا بما آمن به، فكفرنا وأرتدت قلوبنا إلى ما أرادوا، كي نعيش، كي يسمحوا لنا بالإقامة بينهم، فقد طردونا من رحمتهم الواسعة، حين آمنا، والآن نحن تحت رحمتهم الضيقة تعساء، بعد أن بعنا قلوبنا في سوق العبيد، ولكننا عدنا إليها، تخلصنا من كفرنا ببيع إيماننا في ساحة العبيد، لبسنا السلاسل والقيود، وقالوا لنا أساور من الجنة، كان شرابهم مر، لكنها خمر الجنان، التي أدخلونا إليها، نمنا على أسرة من حرير كما قالوا لنا، ولكنها صخور نتقلب عليها، وجمر تكتوي به جنوبنا، وكلما قالوا لنا لم نجد ما أخبرونا به، كان السوء والأسوء ولكنهم راضون عنا، لأننا مثلهم بلا قلوب، بعد أن بعناها من أجل العيش، كذبوا علينا في كل ما قالوا، وأن ما قالوه وهم، وساقونا إلى حتفنا، هم لم يذقوا طعم الحب، فكيف يعرفونه، إنهم محرمون من الحياة لأنهم يعيشون بلا قلوب، ولأنهم لم يروا النور يوما، كيف يصفونه، قتلوه في صباهم، كتموا أنفاسه، قبل أن يحبوا، أن يدركوا أن يعرفوا، تواطؤ على إغتياله في أطفالهم، حتى لا توصم بالكفر، خافوا على إيمانهم العتيق المولود معهم، وبعد أن أدركنا أن ما زعموه وهم، علمنا أن كفرنا إيمان، وأن أيمانهم كفر.