لم يعد مصطلح السيادة الاستراتيجية مجرد شعار سياسي في ردهات بروكسل فى مطلع 2026، بل تحول إلى خطة طوارئ اقتصادية شاملة، تحت عنوان لحظة استقلال أوروبا، حيث أطلقت المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي تحركات غير مسبوقة لتعزيز مكانة اليورو عالميًا.
ويرى الخبراء إن الهدف واضح وصريح، وهو تقليل الاعتماد على النظام المالي الأمريكي وحماية القارة من سلاح العقوبات العابرة للحدود وتقلبات السياسة النقدية في واشنطن التي باتت تهدد استقرار الأسواق الأوروبية.
اليورو الرقمي: السلاح السري الجديد
ووفقا لصحيفة الإكونو ميستا الإسبانية فإن الخطة الأوروبية تتصدر إطلاق المرحلة التجريبية النهائية لـ«اليورو الرقمي»، هذا المشروع ليس مجرد عملة مشفرة، بل هو نظام مدفوعات سيادي مستقل تماماً عن الشركات الأمريكية العملاقة مثل "فيزا" و"ماستركارد". من خلال اليورو الرقمي، تسعى أوروبا لتأمين تدفقاتها المالية بعيداً عن "سويفت" (SWIFT) التقليدي إذا لزم الأمر، مما يوفر حصانة رقمية للشركات الأوروبية في تعاملاتها الدولية، ويقلل من هيمنة "العملات المستقرة" المقومة بالدولار التي بدأت تغزو الأسواق.
واتفق مجلس الاتحاد الأوروبي على موقفه التفاوضي بشأن مقترحات رئيسية تهدف إلى تعزيز العملة الموحدة، بما يتيح إدخال اليورو الرقمي ويوضح الوضع القانوني لليورو النقدي كعملة قانونية.
ويرى الممثلون الدائمون للدول الأعضاء السبع والعشرين في التكتل أن هذه المبادرات ستسهم بدورها في تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي، وأمنه الاقتصادي، وقدرته على الصمود، حسبما ذكر بيان مجلس الاتحاد الأوروبي على موقعه الالكتروني.
وقالت ستيفاني لوسه، وزيرة الشؤون الاقتصادية الدنماركية، التي تتولى بلادها الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي أن اليورو الرقمي يمثل خطوة مهمة نحو نظام مدفوعات أوروبي أكثر متانة وتنافسية، ويمكن أن يسهم في تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية وأمن أوروبا الاقتصادى، فضلًا عن تقوية الدور الدولي لليورو.
دبلوماسية اليورو.. الطاقة والتكنولوجيا كركائز أساسية
في تحول جذري، بدأت أوروبا في اشتراط تسوية صفقات الطاقة الكبرى باليورو بدلاً من البترودولار، والتحركات الأخيرة في فبراير 2026 شملت توقيع اتفاقيات ضخمة للهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة.
وأشار التقرير أصدرته الصحيفة إلى أن هذه الدبلوماسية النقدية تمتد أيضاً لقطاع التكنولوجيا، حيث تهدف خطة الأمن السيبراني الأوروبي 2026 إلى تمويل صفقات الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي باليورو حصراً، الهدف هو خلق "سوق يورو" عالمي يفرض نفسه في القطاعات الأكثر حيوية للمستقبل، مما يجبر الشركاء التجاريين على الاحتفاظ باحتياطيات أكبر من اليورو، وبالتالي رفع قيمته واستقراره أمام الدولار.
مواجهة تقلبات الدولار.. آلية الريبو العالمية
أعلن البنك المركزي الأوروبي في فبراير 2026 عن توسيع آلية الريبو (Repo) لتشمل بنوكاً مركزية خارج القارة، وهذه الخطة تهدف إلى توفير سيولة دائمة باليورو تصل إلى 50 مليار يورو للشركاء الدوليين، مما يجعل اليورو عملة ملاذ آمن موثوقة في أوقات الاضطرابات الأمريكية، ويقلل من حاجة البنوك العالمية للهروب نحو السندات الأمريكية عند حدوث هزات في وول ستريت.
ووفقا للخبراء فإن أوروبا تدرك أن استقلالها العسكري والسياسي لا قيمة له بدون استقلال نقدي، ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً لإزاحة الدولار عن عرشه، إلا أن تحركات تدويل اليورو في صفقات الطاقة والرقمنة وضعت حجر الأساس لنظام مالي عالمي جديد، نظام لا تتحكم فيه جهة واحدة في مصير اقتصاد القارة العجوز.