في توقيت بالغ الحساسية، وقبل شهر رمضان مباشرة، أعلنت الحكومة المصرية عن إطلاق حزمة حماية اجتماعية جديدة بتكلفة إجمالية 40.3 مليار جنيه، تستهدف الفئات الأولى بالرعاية والأقل دخلا.
القرار لا يمكن قراءته فقط كإجراء موسمي مرتبط بالشهر الكريم، بل كرسالة اقتصادية واجتماعية في لحظة تشهد فيها الدولة مراجعات مع صندوق النقد الدولي وترقبا لتدفقات تمويلية جديدة.
الحزمة تتوزع على عدة محاور رئيسية:
أولا، دعم نقدي مباشر
400 جنيه إضافية لعشرة ملايين أسرة مقيدة على البطاقات التموينية خلال شهري مارس وأبريل 2026، بتكلفة 8 مليارات جنيه.
400 جنيه إضافية أيضا لنحو 5.2 مليون أسرة مستفيدة من برنامج تكافل وكرامة خلال رمضان والعيد، بتكلفة 4 مليارات جنيه.
300 جنيه إضافية لنحو 45 ألف مستفيد من معاش الطفل والرائدات الريفيات.
ثانيا، الصحة والعلاج
3 مليارات جنيه لسرعة إنهاء قوائم انتظار المرضى والحالات الحرجة.
3 مليارات جنيه إضافية لزيادة مخصصات العلاج على نفقة الدولة لمحدودي الدخل خلال الفترة من فبراير حتى يونيو 2026.
3.3 مليار جنيه لتبكير دخول منظومة التأمين الصحي الشامل لمحافظة المنيا، مع تحمل الدولة اشتراكات غير القادرين.
ثالثا، التنمية والريف
15 مليار جنيه للمبادرة الرئاسية حياة كريمة لتسريع الانتهاء من نحو ألف مشروع في قرى المرحلة الأولى.
رابعا، دعم الإنتاج المحلي
4 مليارات جنيه تكلفة رفع سعر توريد أردب القمح المحلي من 2200 جنيه إلى 2350 جنيها لموسم 2026، وهو تحرك يستهدف تشجيع المزارعين وزيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي.
إجمالي 40.3 مليار جنيه يعادل تقريبا نحو 800 مليون دولار وفقا لمتوسط سعر صرف يقارب 50 جنيها للدولار، وهو رقم ليس ضخما مقارنة بحجم الموازنة العامة، لكنه مؤثر اجتماعيا لأنه موجه مباشرة إلى الفئات الأكثر احتياجا.
الدعم النقدي المباشر يعزز القوة الشرائية للفئات الأقل دخلا في فترة تشهد عادة ارتفاعا موسميا في الأسعار قبل رمضان، ما يساهم في تخفيف الضغوط التضخمية على الأسر، وإن كان لا يعالج جذور التضخم.
الشق الصحي يعكس إدراكا بأن الحماية الاجتماعية لا تقتصر على الدعم النقدي، بل تشمل تخفيف العبء عن الأسر في أكثر الملفات تكلفة، وهو العلاج.
أما رفع سعر توريد القمح فيحمل بعدا استراتيجيا، لأن زيادة سعر الأردب إلى 2350 جنيها تمثل حافزا للمزارع، وتقلل نسبيا من فجوة الاستيراد في ظل تقلبات أسعار الحبوب عالميا.
إطلاق الحزمة يتزامن مع إدراج المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج التسهيل الائتماني الممدد على جدول مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وفي حال الموافقة ستحصل مصر على 2.7 مليار دولار.
كما رفع الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد المصري إلى 4.7 بالمئة خلال العام المالي الحالي، مع توقع تسارع النمو إلى 5.4 بالمئة بحلول 2027.
الرسالة هنا مزدوجة، استمرار مسار الإصلاح الاقتصادي من جهة، وعدم إغفال البعد الاجتماعي من جهة أخرى.
اخيرا وليس اخرا، حزمة الـ 40 مليار جنيه ليست مجرد أرقام تضاف إلى بنود الموازنة، بل هي اختبار لقدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين الانضباط المالي والحماية الاجتماعية.
السؤال الحقيقي ليس فقط كم تم إنفاقه، بل إلى أي مدى سيشعر المواطن محدود الدخل بأثر هذا الدعم في حياته اليومية.
الاقتصاد لا يقاس بالنمو وحده، بل بقدرة هذا النمو على الوصول إلى الناس، خصوصا في مواسم يزداد فيها العبء على الأسر.
رمضان هذا العام يأتي ومعه رسالة واضحة، أن مسار الإصلاح يجب أن يسير جنبا إلى جنب مع العدالة الاجتماعية.