لم يكن محمود نصر مجرد زميل يمر في ردهات الصحافة مرور الكرام، بل كان "نصراً" لمهنته في زمن الانكسارات، و"محموداً"، في سيرته.
قبل أربعة عشر عاماً، وفي قاعة محكمة جنايات الإسماعيلية التي شهدت محاكمة المتهمين بقضية "مذبحة بورسعيد"، والتي عقدت داخل أكاديمية الشرطة، عرفته لأول مرة؛ شاباً نحيل الجسد، واسع الابتسامة، يوزع البشاشة على زملائه كأنها تميمة وقاية من قسوة المشاهد التي كنا نغطيها. كان المحرر القضائي حينها يمتلك هيبة لا يدرك جوهرها إلا من عاصر شيوخ المهنة.
أتذكر حين التفت إلي بهدوئه الجنوبي الأصيل سائلاً: "بتغطي الجلسة لمين؟"، وحين أجبته لـ"جريدة الصباح"، لم يكتفِ بالصمت، بل بادرني بكرم الصعيدي الأصيل: "محتاج حاجة؟".
كانت تلك الجملة مفتاحاً لشخصيته النبيلة، فهو لا يرى في زميله منافساً، بل رفيق درب في مهنة المتاعب... "محمود" الذي كان يفتخر بانتمائه لمؤسسة "اليوم السابع"، لم يكن يرضى بغير الصدارة بديلاً، ولكنها صدارة الفرسان التي لا تعرف الغدر ولا تفتقر إلى النبل.
في ذلك اليوم، وعقب قرار المحكمة بالتأجيل، لم ينتظر محمود الحافلة التي تنقل الصحفيين من أمام قاعة المحكمة وحتى بوابة الخروج والتي تبعد أكثر من 2 كيلو متر، انطلق مسرعاً، يسابق الزمن، ليصل إلى هاتفه المحمول عند البوابة ليظفر بـ "السبق" وينشر القرار قبل الجميع.
رحل محمود نصر بعد صراع مرير مع المرض، ذلك المرض الذي استطاع أن ينال من جسده النحيل، لكنه لم يكسر أبداً طابع الأصالة الذي استمده من جذوره الجنوبية، غادرنا الصحفي الذي عرف "الأصول" قبل أن يعرف "الفنون"، والتزم بـ "الواجب" قبل أن يطالب بـ "الحقوق".
رحل تاركاً وراءه فراغاً لا يملؤه إلا الدعاء، وصوراً باقية في قاعات المحاكم وبين أسطر الأخبار، تخبرنا أن النبل لا يموت، وأن السيرة العطرة هي الخبر الوحيد الذي لا يحتاج إلى "تحديث" أو "تعديل".
مع السلامة يا محمود، يا من كنت نصراً لمهنتك، ومحموداً في خلقك، ليرحمك الله ويسكنك فسيح جناته بجوار الصديقين والشهداء.