إن روح الفن، تتحكم في كيان الإنسان، وتفرض سيطرتها عليه، فللفن قوة وأرض وأسلحة، وإنها القوة بغير سلاح الفتك، وبغير قنابل ورصاص، إنما سلاحها الوحيد هو المشاعر والعواطف الإنسانية، تصيب ذوي القلوب، لتصنع منها لوحات جمالية، تؤثر في النفس، وتقود نحو الحب والتعاطف والمشاركة، إنها قوة السحر على النفوس والضمائر والأرواح، لذا يجب أن يكون للفن الصدارة في حياة الناس، أن يكون في المقدمة، ليكون لنا نصيب وافر من الرحمة والحب، تمحو الكراهية، وتسلك بالإنسان مسالك، تليق بإنسانيته، ومسعاه في الحياة، فهيكل الفن هو هيكل الحب والجمال، هو العقيدة التي يجب أن يعتنقها الإنسان، مهما اختلفت مذاهبه وديانته وأصوله ولونه.
ولكن هناك فرق شاسع، بين فن وفن، صورة وصورة، رسالة ورسالة، بين فن يضيف للإنسان، وفن ينتقص منه، بين صورة تتأملها فتثير عقلك وشعورك، وتشحذ خيالك، وأخرى تثير شهواتك ورغباتك، وتوقظ فيك الجانب الأدنى منك، بين رسالة تهدي بنورها الحائرين، وأخرى تهوي بهم إلى الجحيم.
حين ننتقد، ليس معنى ذلك أننا نسير وفق مخطط، وأننا مأجورون للهدم، فالنقد المنهجي، المبني على أسس واضحة منهجية صحيحة، له دور في تصحيح الأوضاع، وإنما هي إشارات نحو الخلل، حتى يٌلتفت إليه، ويوضع موضع الجد والمؤاخذة.
إن الصورة أكثر انتشارًا وشيوعاً، وأشد وقعاً على الناس، وتأثيراً على أذهانهم وأفكارهم، من الكلمة المقرؤة، فالذين يطالعون الكتب، هم أعداد قليلة مقارنة بمن يشاهدون التليفزيون، فلا نستهين بالعمل الفني الذي يراه الملايين، ويكون تأثيره في نفوسهم أعمق وأرسخ، فهي ليست تسلية ومتعة وكفى، إنما ورائها رسالة، وهي إما تبني، أو تهدم، إما أن تساعد في البناء، ورسم الملامح، وإضافة لحياة الإنسان، وأن تخرج من ورائها بمحصول، لا باس به، من الأفكار والمعلومات، التي تربي وتعلم، وتساهم في تكوين الشخصية السوية، وإما إنها إنتاج رديء لا يحمل معنى ولا قيمة، أو يساهم في انهيار القيم والمبادئ، وتكوين شخصية غير سوية.
تعكس الدراما الرمضانية، واقع الفن لدينا، ونتساءل هل للفن رسالة؟ أم إنه تجارة، سلعة تباع وتشترى، وماذا يضيف لحياة الناس؟ هناك أعمال تموت فور ظهورها، وأعمال تبقى رغم مرور الزمن، تساهم في إعطائك وتزويدك بزخيرة نفسية، وانطباعات تترسخ بداخلك.
يجب أن تكون هناك رسالة، من وراء كل عمل درامي يخرج إلى الناس، نعرض فيها ما يناسب قيمنا وشرقيتنا، التي ننتمي إليها، ونعتز بها، يجب أن يكون هناك تنافس محترم شريف في ميدان الإبداع والفن، وأن نصل بتلك الأعمال إلى العالم، كما يصل العالم إلينا، وأن نزاحم في الوقوف بجوار الأخرين، أن يكون لنا صوت وصورة، أن ننقل إلى العالم تاريخنا، عادتنا، في غير إسراف، ولا تقتير، صورة واضحة، فهي أفضل ما ينقل عنا، على مستوى القطاع العريض من الناس عبر العالم، ولا ننتظر من العالم، أن ينقل هو عنا، وهو يجهلنا، فينقل بالسمع ما يشوه الحقائق، ونعود نأسف على ما أصابنا من جور صنعناه بأيدينا، أو على أقل تقدير شاركنا في صناعته.
إن العمل الجيد ينقل لنا محصول وافر من الشعور والخيال والمتعة، وهو رصيد زاخر من الفائدة العقلية والنفسية، وتزيد من رصيد حياتك حين تتعايش مع أحداثها، وتطلعك على حياة جديدة، بشرط أن تنقله نقلا صادقا بعيدا عن المبالغة والتهويل، فهي بذلك تساعدك على فهم الطبيعة الإنسانية فهما صادقا، وتكشف لك عن أغوار عميقة تساهم في ترسيخ العلم بها، وتثقلك بتجارب تنفعك وتؤثر في مسيرتك الحياتية نحو الأفضل والأجمل.