‫محمد عبد المنعم شرباش‬‬‬‬‬‬‬

التدين الرقمى وروحانيات الشهر الكريم

الأربعاء، 18 فبراير 2026 07:17 م


من أسوأ ما أفرزته التقنيات الحديثة في وسائل التواصل الاجتماعي تغوّلها الصارخ على الوجدان العام، بإنتهاجها لأساليبَ وسلوكيات تجعل من ممارسة الدين عملاً مادياً محضاً، وضجيجاً يفتقد إلى الإخلاص والتأمل، إذ يمارس ذلك عن جهلٍ أو سوء قصدٍ، أعدادٌ هائلةٌ من أدعياء العلم، ومتمثلي الخشوع، وسماسرة الحسنات، وعشاق المظهر والسمعة، وضحايا "الشيزوفرينيا"، ومروجي ما لم يثبت من الأقوال... لتصل ذروة نشاطهم في شهر رمضان المعظم.

فقد تواجه كل يوم في جوف الليل رسالة صاحبك الذي يذكرك أن ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها وما إن تصلك الرسالة حتى يكون مرسلها قد خلد إلى النوم استناداً إلى أن الدال على الخير كفاعله، وآخرُ يحذرك من نسيان قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وهو الذي لم يفعلها من قبل، وثالثٌ يطلب منك ترديد بعض العبارات والأدعية بأعداد معينة -لا تدري من حددها له- ليخبرك أن بكل حرف مئة حسنة وبكل كلمة قصر في الجنة ... وعليك استحضار الآلة الحاسبة للوقوف على عدد الحسنات والقصور التي تنتظرك، ورابعٌ يستحلفك بالله أن تصلي على النبي -صلّ الله عليه وسلم- كتابةً في تعليقٍ ..! ويؤكد أنك إذا أهملت ذلك .. فلتعلم أن الذي منعك هو الشيطان..! باعتبار أن الأخير قد تفرغ لمواقع التواصل الاجتماعي لتقليص عدد "الريتش" بها...!

كما قد تجد نفسك وعلى غرار ما تقوم به شرطة المرافق مدعواً للانضمام إلى "حملةِ" استغفار...! وعليك أن تردد ما يكلفك به "السيد رئيس الحملة" وترفع إليه تماماً فورياً بكلمة "تم" ليتصرف هو بعد ذلك في الأمر...

وهكذا تتواصل التصورات البلهاء عن ديننا الحنيف؛ لتصبح الحسنات طقساً روتينيا يخضع للعد والحساب ... وتصبح الجنة - في نظرهم- سوقاً عقارياً يمنح قصوره للذين تمتد أياديهم بالاستحسان والإعجاب بمنشوراتهم البائسة... ويصير الدعاء أسير نظم لفظيٍّ يفتقد حميميةَ الطلبِ وذلّ الرجاء.. لتوجهه أغراضٌ ضيقةٌ تسعى إلى "التريند" أو التكسب ... حتى أن أحد نجوم المشايخ العصريين كان يدعو من الأراضي المقدسة في بثٍ مباشرٍ بصوتٍ متحشرجٍ بالبكاء لكل الأصدقاء على صفحته والذين سيشاركون الفيديو..! وهو نفسه ذات الشيخ الذي قرر في فيديو آخر أن من حسن العبادة أن تشترى الدجاج من شركة معينةٍ ومحددةٍ بالاسم ..! كل ذلك على نحو يجعلك تهرع إلى ما تبقى من دعاء الطيبين الذي اعتادوا أن يذكروا ربهم تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال... هذه الدعوات النقية العفوية من قلوب الطيبين التي لا تركض وراء سجع الكلام ولا محسناته البديعية ... إذ يؤمن الطيبون أنه في مقام الطلب والرجاء ... لا أهمية للبلاغة ولا للنحو ولا للصرف بل لا أهمية للُّغة المنطوقة بأسرها...

ورغم كل ما جاءت به التقنيات الحديثة... يظل الوجدان المصري العام نقياً غنياً مسكوناً بالذكريات الحميمة عن كل تفصيلات الشهر الكريم ... فمن كلمات فؤاد حداد وألحان وغناء سيد مكاوي في "المسحراتي"... إلى موسيقى الراحل أحمد صدقي في "تيتر" برنامج الشيخ الشعراوي... إلى هذا الهيام الرباني المتماهي مع صوت الشيخ "محمد رفعت" والذي يحفظ الملايين همساته ووقفاته وسكناته، ويحلِّقون معه في سماء الروحانية ... تؤثرهم تلاوته في كل شيء ... حتى في الحفيف الصوتي الظاهر بالتسجيلات العتيقة... وفي صوت "كلاكس" السيارة المصاحب للتلاوة في عدة مواضع يحمل عبق أجواء القاهرة القديمة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة