"هل الموت ينتقى وينتخب الطيبين؟"، قفزت في عقلى هذه الجملة فور علمى بخبر وفاة زميلى وأخى محمود نصر.. نعم.. لقد أختار الموت أفضل من فينا.. اختار المخلص، اختار المثابر، اختار المجتهد، اختار الخدوم، اختار «الجدع».. المبتسم دائما.
هل الموت يختا الطيبين بعناية؟، ولم يكن سؤالا فلسفيًا بقدر ما كان موجوعا، عاجزا عن استيعاب فكرة أن "محمود لم يعد بيننا.
كأن الموت يعرف طريقه جيدًا إلى القلوب النقية، فيختار منها الأصدق، والأهدأ، والأكثر عطاءً في صمت.
لم يكن محمود نصر مجرد زميل عمل. كان أخا بمعنى الكلمة. كان حاضرًا حين يغيب كثيرون، مبادرًا حين يتردد غيره، مبتسمًا حتى في أكثر الأيام قسوة. لم أعرفه يومًا عابسًا، ولم أره إلا ثابتًا في موضع المسؤولية، صادقًا في الكلمة، مستقيمًا في الموقف.
كان المخلص الذي لا ينتظر شكرًا، والمثابر الذي لا يرفع صوته طلبًا للثناء، والمجتهد الذي يرى في العمل رسالة لا وظيفة، والخدوم الذي يعتبر مساعدة الآخرين واجبًا لا فضلًا. كان «الجدع» كما نقولها ببساطة أهل البلد، لكنها في حقه كانت وسامًا مستحقًا.
رحل محمود فجأة، وترك فراغًا لا يُملأ. ترك مقعدًا يعرفه، وضحكة اعتدناها، وأثرًا سيظل شاهدًا على إنسان مرّ من هنا وترك في القلوب طمأنينة.
الموت حقيقة لا يملك أحد ردها، لكن الفقد وجع لا نتقنه مهما تكرّر. ومع كل رحيل جديد، نزداد يقينًا بأن الأعمار لا تُقاس بطولها، بل بما يزرعه الإنسان خلالها من أثر طيب وسيرة حسنة.
سيبقى اسم محمود نصر حاضرًا في دعائنا، وستبقى روحه في ذاكرتنا نموذجًا للرجل الذي عاش كريم النفس، ومضى كما عاش: نقيًا، هادئًا، صادقًا.
رحمك الله يا محمود، وأسكنك فسيح جناته، وجعل ابتسامتك التي لم تفارق وجهك نورًا لك في قبرك، وذكرك الطيب صدقة جارية لا تنقطع.


