لا تزال ابتسامة "نصر" أمام عيني، رغم أنني أستعيدها في أكثر لحظاته وجعًا، وهو على سرير المرض، كانت ابتسامة رسالة طمأنينة لمن حوله قبل أن تكون تعبيرًا عن حاله، وحتى اليوم، لا تزال كلمته التي كان يناديني بها دائمًا "مولانا" بصوته المألوف ترنّ في أذني، محمّلة بذلك الصفاء الذي عُرف به.
آمن محمود نصر أن الصحافة ليست مهنة تُؤدى فحسب، بل رسالة تُحمل وأمانة تُصان، لذلك لم يتعامل مع عمله كوظيفة يومية، بل كمسؤولية إنسانية قبل أن تكون مهنية، اختار أن يسخّر جهده الصحفي لخدمة زملائه ومساندة المحتاجين، فكان داعمًا مخلصًا في أداء رسالته، حاضر الإنسانية في كل موقف، قريبًا من الجميع، لا يتأخر عن عون ولا يتردد في نجدة.
قبل أيام من دخوله في وعكته الصحية، كان آخر ما شغله عملٌ من أعمال الخير التي نسأل الله أن يجعلها في ميزان حسناته، كان يسعى لتوفير سرير في مستشفى أبو الريش لطفلة تعاني من نقص في نمو المخ والقلب، ظل يبحث ويتواصل ويسأل، محاولًا أن يخفف الألم عن أسرة أنهكها القلق والخوف، وكأن معاناتهم مسؤوليته الشخصية.
هكذا كان نصر، يحب الخير للغير كما يحبه لنفسه، ويسعى في قضاء الحاجات كما يسعى الإنسان لأمرٍ يخصه، لم يكتفِ بمساندة المحتاجين، بل كان حريصًا على توفير فرص عمل لزملائه، يفرح لنجاحهم، ويشاركهم أحزانهم، ويقف إلى جوارهم في الشدائد قبل الرخاء، لا أنسى فرحة نصر لى بفوزنا فى انتخابات نقابة الصحفيين، كانت سعادته صادقة، تسبق كلماته، وتظهر في عينيه قبل صوته، شعرت يومها أنه يرى في كل خطوة أخطوها جزءًا من حلمه هو، وكأن نجاح من يحبهم امتداد طبيعي لما كان يسعى إليه من خير ودعم وتمكين.
رحم الله محمود نصر، فقد كان نموذجًا للصحفي الإنسان، الذي أدرك أن الكلمة قد تكون باب رزق، وأن السعي في حاجات الناس باب نجاة، ستظل ابتسامته ذكرى لا تغيب، وسيبقى أثره شاهدًا على أن الخير الذي يُزرع في الأرض، لا بد أن يثمر في السماء.